الجاحظ

28

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )

ان أكثر العظماء والنوابغ كانوا معلمين ، وهذا ما نتحققه إذا استعرضنا أسماء النحويين والعروضيين والفرضيين والحساب والخطاطين والرواة والقضاة والحكماء والولاة والقادة والرؤساء والكتاب والشعراء والوزراء والأدباء . ويخص بالذكر عبد اللّه بن المقفع الذي كان من المعلمين والبلغاء المتأدبين والمترجمين ، ولكنه لم يفلح في الكلام كما يبدو من رسالة الهاشمية . ثم إن جميع العلوم إنما تنتقل بين الأجيال بواسطة المعلمين ، من حساب وفرائض وقرآن ونحو وعروض واشعار واخبار وآثار ، ثم الفروسية والنجوم واللحون والطب والهندسة والنرد والشطرنج والفلاحة والتجارة والبناء والصياغة والخياطة والصباغة والحياكة ، وترويض الحيوانات المختلفة من قرود ودببة وكلاب وظباء وببغاء وصقور ودواب . ان الانسان عالم صغير لأنه ينطوي على جميع الطبائع الموجودة في الحيوانات من « ختل الذئب وروغان الثعلب ووثوب الأسد ، وحقد البعير ، وهدانة القطاة ، وهذا كثير ، وهذا بابه ، ولأنه يحكي كل صوت بفيه ويصور كل صورة بيده ، ثم فضله اللّه بالمنطق والروية وامكان التصرف » . والمعلم يقوم بعملين هما التأديب والتعليم ومن هنا دعي أيضا بالمؤدب لأن الأدب يعني الخلق ويعني رواية العلم . ولكن العلم هو الأهم لأنه الأصل . ويلجأ المعلم في عمله التأديبي إلى القصاص على التهاون أو الكسل ، وإلى الضرب على الفرار ، كما يحمل الصبية على الصلاة في الجماعة وتدارس القرآن وحفظ الاشعار والارجاز . ومع ذلك فان مهنة التأديب لا تدر على أصحابها المال الوفير ، ولذا شكا الأدباء والشعراء من الفاقة وطلبوا المساعدة .