الجاحظ

12

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )

ان اللسان ترجمان القلب ، والقلب خزانة تحفظ الاسرار والخواطر والعلم . والقلب يضيق بما فيه ويستثقله ويستريح إلى نبذه واذاعته بواسطة اللسان . وهذا هو السبب في طبع الناس على حب الاخبار والاستخبار ، واهتمامهم بالتاريخ واحداثه وتدوينه . وقد سيطرت هذه الغريزة عليهم حتى عسر عليهم الكتمان وغدا من يكتم سره عرضة للسقم والكمد والكرب . ويروي الجاحظ اخبارا مدهشة في ذلك . فان أحد الفقهاء اطلع على اسرار لا يحتملها العامة ضاق صدره بها فذهب إلى العراء وحفر حفرة أودعها دنا وراح يختلف على هذا الدن يحدثه بما سمع فيروح عن قلبه . وكان الأعمش ، سليمان بن مهران ( 188 ه - ) عندما يضيق صدره بما فيه مما لا يريد ان يذيعه بين الناس ، يقبل على شاته فيحدثها بالاخبار والفقه . ويتحدث الجاحظ على مساوئ افشاء الاسرار ، فيقول ان صاحب السر يبقى مالكا له حتى يذيعه أو يفلت منه إلى اذن واحدة ، فسرعان ما يشيع ويدفع إلى اذن ثانية فثالثة . وعندئذ يصبح صاحب السر عبدا لمن ائتمنه على سره ورهينة بين يديه . وإذا أساء من ائتمن على السر حفظ الأمانة ، ونشره أو حرفه ارث الشحناء بين الأقرباء والأصدقاء ، والصراع بين الأعداء ، وقد يؤدي إلى سفك الدماء وإزالة النعم والتفرقة . ويدعو الجاحظ إلى سوء الظن بجميع الناس حتى الأهل والعبيد والحاشية والأولاد والعمال . فهؤلاء أكثر الناس إذاعة للاسرار . وعمال الخليفة خاصة يفشون اسراره المشينة . والنمامون مولعون بإذاعة الاسرار التي تنتشر على ألسنتهم انتشار النور في الظلمة . ومما يدفع إلى افشاء السر التحذير من نشره . فإذا اودعنا أحدهم سرا