الجاحظ

13

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )

واستعهدناه بعدم اظهاره اغريناه بإذاعته لأن كل ممنوع مرغوب . ويفسر الجاحظ رغبة الناس فيما منعوا منه بالطبع الذي يفسر به كل شيء لأنه مبدأه الفلسفي الأساسي . انهم مطبوعون على شهوات عديدة ترغب في الارتواء والاشباع . فإذا منعت من الحصول على ما يشبعها أو يرويها تعلقت به وفتشت عنه ورغبت فيه . فإذا حصلت على مطلوبها وأشبعت حاجتها قل قدره عندها وهان عليها وصدفت عنه . هذا هو حال الجائع والشبعان والمحروم من الجماع والمغموس فيه . ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى المال والعلم ، لأن المال يتخذه البعض لا لقضاء الحاجة بل لقمع الحرص والحرص لا حد له . ولأن العلم لا حد له ولا نهاية وكلما ازداد المرء طلبا ازداد فيه رغبة . ويرى الجاحظ في موقف الناس من المال والعلم خروجا على العقل لأن النهم هو تجاوز القدر . ان أكثر الأمور عرضة لافشاء السر الخبر الرائع والخطب الجليل مثل اسرار الأديان وعقائدها واخبار الملوك والعظماء . وافشاء السر يمت بصلة إلى الغيبة ، والغيبة رذيلة خلقية كريهة لأنها « خطة جور في الحكم ، وسقوط في الهمة ، وسخافة في الرأي ، ودناءة في القيمة ، وكلفة عريضة ، وحسد وتعاسة قد استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعه وتوكدت لسوء العادة عندهم ولعلو الشر على الخير وكثرة الدغل والنغل والحسد في القلوب . . . » . ويحض الجاحظ على العدل في الاحكام لأنه لا شيء « أحلى مذاقا من العدل ، ولا أروح على القلوب من الانصاف ، ولا امر من الظلم ولا أبشع من الجور » . وأسباب الظلم هي الشره والحرص المركب في اخلاق الناس ومن ثم