ابن سيده

482

المحكم والمحيط الأعظم

قال سيبويه : ظلَّ يُفَرِّسُهَا ويُؤَكِّلُها ، أي يُكْثِر ذلك فيهَا . وسَبُعٌ فَرَّاسٌ : كثير الافتراسِ ، قال الهُذَلِىُّ : يامَىُّ لا يُعْوِزُ الأيامَ ذُو حِيَدٍ * في حَوْمَةِ المَوْتِ رَوّامٌ وفَرَّاسُ « 1 » وفَرَّسَهُ الشىءَ : عرَّضَهُ له يَفْتَرِسُهُ ، واستعمل العجاجُ ذلكِ في النُّعَرِ من الذَّبانِ فقال : ضَرْباً إذا صابَ اليَآفِيخَ احتَقَرْ * في الْهامِ دُخْلاناً يُفَرِّسْنَ النُّعَرْ « 2 » أي أن هذه الجِراحاتِ واسِعةٌ ، فَهنَّ تُمَكِّنَّ النُّعَرَ بما تُرِيدُه مِنْهَا ، واستَعْمله بعض الشّعراء في الإِنسانِ فقال ، أنَشَدَه ابن الأعرابىِّ : قد أَرْسَلُونِى في الكَواعِبِ راعياً * فَقَدْ ، وَأَبِى ، راعِى الكَواعِبِ ، أَفْرِسُ أتَتْهُ ذِئابٌ لا يُبالِينَ راعِيًا * وكُنَّ سَوَاماً تَشْتَهِى أن تُفَرَّسَا « 3 » أي كانت هذه النِّساءُ مُشْتَهياتٍ للتَّفْريس ، فجعَلَهُنَّ كالسَّوامِ إلَّا أنَّهُنَّ خالَفْنَ السَّوامَ ، لأن السَّوامَ لا تشتهى أن تُفَرَّسَ إذ في ذلك حَتْفُها ، والنّساءُ يَشْتَهِينَ ذلك لما فيه من لَذَّتِهِنَّ ، إذْ فَرْسُ الرِّجالِ للنِّساءِ هاهنا إنما هو مُواصَلَتُهُنَّ ، وأَفْرِسُ من قَوْلِه : فَقَدْ ، وأَبِى ، راعِى الكَواعِبِ ، أفْرِسُ موضوعٌ موضِع فَرَسْتُ ، كأنه قال : فَقَد فَرَسْتُ ، قال سيبويه : قد يضَعُونَ أفْعَلُ موضِع فَعَلْتُ ، ولا يَضَعُونَ فَعَلْتُ في موضِعِ أفْعَلُ إلا في مُجَازَاةٍ ، نحو إنْ فَعَلْتَ فَعَلْتُ ، وقولُه : وأَبِى خَفْضٌ بواوِ القَسَم ، وقولُه : راعِى الكَواعِب يكونُ حالًا من التَّاءِ المقدَّرةِ ، كأنَّه قالَ : فقدْ فَرَسْتُ راعِياً للكَواعِبِ ، أي وأنا إذ ذلِكَ كذلكَ ، وقد يجوز أن يكون قولُه : وأَبِى مُضافاً إلى راعِى الكَواعِبِ ، وهو يريدُ بِرَاعِى الكواعبِ ذاتَهُ ، وقوله : أتَتْه ذئَابٌ لا يُبالِينَ راعِياً ، أي رجالُ سُوءٍ فُجَّارٌ لا يُبَالونَ مَنْ رَعَى هؤلاء النِّساءَ ، فنالُوا مِنْهُنَّ إرادتَهُم وهَواهُمْ ، ونِلْن منْهم مثل ذلك ، وإنَّما كَنَى بالذِّئاب عن الرِّجالِ ، لأنَّ الزُّناةَ خُبثاءُ كما أن الذِّئابَ خَبيثةٌ ، وقال تشْتَهِى على المبالغَة ، ولو لم يُرِدِ المبالغَةَ لقال : تُرِيدُ أن تُفَرَّسَ مكانَ تشْتَهِى ، غيرَ أن الشَّهْوةَ أبلغُ من الإِرَادةِ ، والعُقَلاءُ مُجْمِعُونَ على أنَّ الشَّهوةَ غيرُ محْمودةٍ البَتَّةَ ، فأمَّا

--> ( 1 ) البيت لمالك بن خالد ( أو خويلد ) الخناعى الهذلي في لسان العرب ( عرس ) ؛ وللهذلى في لسان العرب ( وحد ) ، ( فرس ) ؛ وفيه ( رزَّام ) مكان ( روَّام ) . ( 2 ) الرجز للعجاج في ديوانه ( 1 / 64 ، 65 ) ؛ ولسان العرب ( فرس ) ، ( صقع ) ؛ وتاج العروس ( فرس ) ؛ وبلا نسبة في المخصص ( 1 / 55 ) . ( 3 ) البيت بلا نسبة في لسان العرب ( فرس ) ، ( فوا ) ؛ وتاج العروس ( فرس ) .