ابن سيده
41
المحكم والمحيط الأعظم
الميزابَ لغة في المِئْزاب ، مع أن العرب لم تجمعه إلا على مآزيب ، ولو كان الميزاب لغة وَضْعية ، أو تخفيفًا بَدلِيًا ، لقيل في جمعه : مَيازيب ، أو مَوَازِيب ، فأَنْ لم يقولوا ميازيب ، دليل على أن ياء ميزاب همزة . ومن أغرب ما تضمنه هذا الكتاب ، أن يكون الاسم يُكَسَّر على بناء من أبنية أدنى العَدد أو أكثره ، لا يتَجاوز إلى غيره ، فإذا جاء مثل هذا ، قلنا : إنه لا يُكسَّر على غير ذلك ، وذلك نحو الأفئدة ، والأذرُع ، والأكُفّ ، والأقدام ، والأرجُل ، فإنه لا يكسَّر واحد من هذه عند سيبَوَيه على غير هذه الأبنية الدالة على أدنى العدد ، وإن عُنِى به الكثير . ومما انفرد به كتابنا : الفرق بين القَلْب والبَدل ، وعقدُ اسم الفاعل بالفعل إذا كان جاريا عليه ، بالفاء ، وعَقدُه إذا لم يكُ جاريا عليه ، بالواو ، وذلك لسبب دَقيق فلسفىّ ، لطيف خفىّ نحوىّ . ومنه التنبيه على شاذّ النَّسَب ، والجمع ، والتَّصغير ، والمصادر ، والأفعال ، والإمالة ، والأبنية ، والتصاريف ، والإدغام ، وتخليص القضية من الحَشو ، حتى لا سبيلَ إلى الزيادة فيها ، ولا النُّقصان منها الْبتة . ومن طَرِيف اختصاره ، ورائق بديع نظم تِقْصاره « 1 » أنى إذا ذكرت « مِفْعَلا » ، لم أذكر « مفْعالا » ، لعلمي أن كل « مِفْعل » مقصورٌ عن « مِفْعال » ، على ما ذهب إليه الخليل « 2 » ، ولذلك صَحَّت العين من « مِفْعل » إذا كانت واوا أو ياء ، نحو : مِجْوَب ومِخْيَط ، لأنهما في نِية مِجْواب ومِخْياط . ومنه : أنى لا أذكر « افْعالَّ » إذا ذكرتُ « افْعَلَّ » من الألوان ، لأن كل « افْعلَّ » عند سيبويه من الألوان ، محذوفة من « افْعالّ » إيثارَ التخفيف . ومنه : أنى إذا ذكرت « فُعَلِلًا » أو « فَعَلِلًا » لم أذكر « فُعالِلًا » ولا « فَعالِلَ » نحو : عُلَبِطٍ « 3 » وجَنَدِلٍ وذلك لأن كلّ « فُعَلِل » مقصور من « فُعالِل » ، وكل « فَعَلِل » مقصور عن « فَعالل » ، لأنه ليس من كلامهم التقاءُ أربعِ متحرّكات وضْعا ، إلا بعد توسط الحذف ، وقد أبَنْت ذلك في كتابي : « الملخَّص في العَرُوض » . ومنه : أنى لا أذكر الجمع المسَلَّم إلا أن يكون تشبيهًا بالمُكَسَّر في كونه سماعيا ، نحو :
--> ( 1 ) التقصار والتقصارة : بكسر التاء : القلادة للزومها قصرة العنق ، والجمع : التقاصير . ( 2 ) في هامش بعض النسخ : على ما ذهب إليه سيبويه . ( 3 ) رجل عُلَبِطٌ وعُلابِطٌ : ضخم عظيم ، ولبن عُلَبِطٌ : رائب متكبد خاثر جدًا ، والعُلَبِط والعُلابط : القطيع من الغنَم .