ابن سيده
40
المحكم والمحيط الأعظم
جمعَ رَهْن ، لما تَصَوَّر على شكل كِتاب ومِثال ونحوهما ، وكان هذا الضرب من الأشكال يكَسَّر على فُعُل ، نحو كُتُب ومُثُل ، كُسِّر على مثل ما كُسِّر عليه ذلك الواحد ، فقيل رُهُن ؛ فإذا كان مثل هذا كذا ، جعلناه جمعا وإن كان نادرا ، ولم نحمله على أنه جمع جمع ، لأنّ جمع الجمع قليل في الكلام الْبتة ، إذ ليس بأصل ؛ ألا ترى أنه إن وَسِعَنا جمعُ الجمع قياسا ، وَسِعَنا جمع جمع الجمع ؟ وإنما يحمِل سيبَوَيه صيغة الجمع ، على جمع الجمع ، إذا لم يجد عن ذلك مَوْئِلا مُحْرِزا ، ولا معْقِلا مُحْتَجِزا . ومن طَريف ما اشتمل عليه هذا الكتاب : الفرق بين التَّخفيف البَدَلىّ ، والتخفيف القياسىّ ، وهما نوعا تخفيف الهمز ، كقولى : إن قول العرب أَخْطَيْت ليس بتخفيف قياسىّ ، وإنما هو تخفيف بَدَلىّ مَحْض ، لأن همزة أخطأت همزة ساكنة قبلها فتحة ، وصورة تخفيف الهمزة التي هذِى نِصْبَتُها : أن تُخْلَص ألفا مَحْضة ، فيقال : أخْطات ، كقولهم في تخفيف كأس : كأس ، لأن « طَأْت » من أخطأت ، بمنزلة كأس ، كما أن « طَلِقْ » مِنِ انْطَلِقْ ، على زنة فَخِذ ، فلذلك قيل : انْطَلْقْ ، في انْطَلِقْ ، كما قيل : فَخْذ ؛ وإذا انقطع مِن المركَّب شئ على شكل البسيط ، فهذا حكمه ، أعنى أن يُعامل معاملَته ، وعلى نحو هذا وجَّهَ الفارسىّ قولَ امرئ القَيس : فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيرَ مُسْتَحْقِبٍ * إثما مِنَ اللّهِ وَلا وَاغِلِ « 1 » قال : إنما أراد : أَشرَبُ غَيْر ، متصوّرا في أثناء ذلك من الكلمتين « رَبُغَىْ » على شكل عَضُدٍ ، فخفَّف الثانىَ من هذا الشكل ، وهي باء « رَبُغَىْ » ، كتخفيف ثاني عَضُدٍ ، فقال : رَبْغَىْ ، كَعَضْدٍ ، ومثله كثير . فكذلك مَثَّلتُ ما تَصَوَّر من أخَطأْت ، على صورة كأس ، بلفظ كأس ، فلما لم أجد أخْطَيْت مقتضية للتخفيف القياسىّ ، قلت : إنه بَدَلىّ . وقد أبَنْتُ أشباه هذا في كتابي الموسوم « بالوافي ، في أحكام علم القوافي » . وهذا الذي أبنت لك في أخْطَيْت ونحوِه ، باب لطيف قد نبا عنه طبع أبى عُبيد وابن السكِّيت وغيرهما من متأخري اللغويِّين ؛ فأما قدماؤهم فأضيق باعا ، وأنْبَى طباعا ؛ ألا ترى ابن الأعرابىّ يقول في كتابه الموسوم بالنوادر : ومما يُهمز ويخفف قولُهم : هاوَأْتُهُ « 2 » وهاوَيتُه ، وذِئب وذِيب ، فخلط البَدَلىّ وهو هاوَيتُه ، بالقياسىّ وهو ذِيب . وقد نحا أبو عُبيد في كتابه الموسوم « بالمصَنِّف » هذه المَنحاة التي نحاها ابنُ الأعرابىِّ ؛ وأين أغربُ من اعتداد أبى عُبيد
--> ( 1 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 134 ط دار الكتب العلمية . وغير مستحقب : غير حامل ، الواغل هنا بمعنى الآثم . هامش الديوان ؛ ولسان العرب ( حقب ) ، ( دلك ) ، ( وغل ) ؛ وتاج العروس ( وغل ) . ( 2 ) هاوأت الرجل : فاخرته كهاويته ؛ اللسان ( هوأ ) .