ابن سيده
29
المحكم والمحيط الأعظم
مقدمة المؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * بذكر اللّه نَفْتَتِح ، وبنوره سُبحانه نَقْتدح ، وبما أفاضه علينا من نُورِيَّة إلهامِه نهتدِى ، وبما سَنَّه لنا نبيُّه المُقْتفَى ، ورسولُه المصطفَى ، من فُروض طاعته نقتدِى . نحمَدُه بآلائه ، ونصلى على عاقب أنبيائه ، ونَسأله خيرَ ما يَخْتِم ، وأفضلَ ما به لهذه النفوس يَحْتِم ؛ ربَّنا لا تُسلِّط ما وكَلْته بنا من النقائص الإنْسانية ، على ما أفضْته علينا من الفضائل الرُّوحانية ، ولا تُغَلِّب ما كَدُر من طباعنا وكَسُف ، على ما رَقَّ من أوضاعنا ، فشرُف ولَطُف بل كن أنتَ الحَفِىَّ بنا ، والوَلِىَّ في الحَيْطة لنا ، هادِيَنا إلى أفضل ما يُعْتَمد ، ومُسَدِّدَنا إلى أعدل ما يُقتصَد « 1 » ، إن قَصَّرتْ أعمالُنا عن واجب الطاعة ، بحسَب ما وكَلْته بنا من نُقصان الاستطاعة ، فصِلْ قاصرَها بعَطْفتك ، وكن ناصرَها برأْفتك ، ما دامت نفوسُنا مُعْتَلِقَةً « 2 » لأنفاسنا ، وأرواحنا مرتبطة بأشباحنا ؛ فإذا تناهت علائق مُدَدِنا ، وتدانت مَناهى أمَدِنا ، فأردتَ تحْليلَنا ، وأزْمَعْت كما شئت « 3 » تَحويلَنا ، من دار الفناء والبُيُود « 4 » ، إلى المخصوصة من الدارين بأَبديَّة الخُلود ، عند استحالة الأكوان التي لم تهيئْها للإدامة ، ولا بَنَيْتَ أوضاعَها على السَّلامة ، فأَدْنِ ذَواتِنا إلى ذاتك . وصل حَياتَنا بأبَدِىّ حَياتك « 5 » ، وفَرِّحْنا « 6 » بجوارك ، وأمِدَّ أرواحنا بسُبُحَات « 7 » أنوارك ، وأوْطِئْنا مِهادَ رُحْماك ، وأوْرِفْ علينا سابغاً من جنات نُعماك ، وبَوِّئْنا سطَةَ « 8 » دار السلام ، التي وصَلْتَ صفاءَ نعيمها بالدّوام ، واغفر هنالك فادحَ ذنوبنا ، كما تَفَضَّلْتَ « 9 » أن تتغَمَّد هُنا قادحَ عُيوبنا ، إنك ذو الرحمة التي لا يُطاوَلُ باعُها ، والنِّعمة التي لا تُحْصَى بعدَدٍ أنواعُها .
--> ( 1 ) في بعض النسخ : ما يعتقد . ( 2 ) اعتلقه : أي أحبه ، وفي بعض النسخ : متعلقة . ( 3 ) في بعض النسخ : بقدرتك . ( 4 ) باد الشئ يبيد بَيْداً وبَيَاداً وبُيوداً وبَيْدودة : انقطع وذهب . ( 5 ) قوله : « فأدن ذواتنا إلى ذاتك ، وصل حياتنا بأبدى حياتك » ، يوهم الاتحاد : اتحاد المخلوق بالخالق الذي زعمه الصوفية ، فاحذره . ( 6 ) في بعض النسخ : وكرمنا . ( 7 ) سبحات وجه اللّه - بضم السين والباء - : أنواره وجلاله وعظمته . ( 8 ) يقال : وسَطْتُ القوم أسطهم وسطا وسطة ، أي : توسطتهم . والمعنى هنا : أنزلنا وسط دار السلام . ( 9 ) في بعض النسخ : أسألك .