ابن سيده

30

المحكم والمحيط الأعظم

أما بعد : أيُّها المُسْهِرُ طلبُ العلم لجفونه ، الكاتبُ لحُور عُيونه ، الراتعُ منه في أزاهير فُنونه ، فإني أقول لك هَنيئاً ، فقد أوتِيتَ بَغيَّتك ؛ وشُكرا ، فقد مُلِّكتَ أُمنيَّتك ؛ إنَّ النِّعمة قلوصٌ يُنِدُّها عن صاحبها الكفر « 1 » ، ويُذَلِّلها لراكبها الشُّكْر ، لَشَدَّ ما وَرَدْتَ مَنهل إرادَتِك صافيا ، وأُلبِستَ ما أعجز رَيعانَ أُمْنيَّتك ضَافيا « 2 » ، وكلٌّ بيمن « الموفق » مُحيى المكارم ، ومُروِى الأسنَّة والصوارم ، زينِ الزّمان وتاجِه ، وعينِ الأوان وسِراجه ، سيِّدِ جميع الأملاك ، ومُعيدِ زمن العدْل إليه بعد الهلاك ، مُطْلعِ العلوم لنا نجوما وأهِلَّة ، ومُرْسِلِ المكارم علينا غُيوماً مُسْتَهِلَّة ، قد ملأ البلادَ عدلُه مَقادِم « 3 » صَباح ، ومَدَّ على العباد من فضله قَوَادِمَ « 4 » جَناح ، حتى بَشَّرتْ لِقاحُ طُعَمِهِم « 5 » ، وتَمَشَّرَتْ « 6 » خِصبا أدواحُ نِعَمهم ، فلا فقير إلا مجبور ، ولا غنىّ إلا موفور مَحْبورٌ ، ولا شاكرَ إلا مُسْهِب ، ولا ذاكرَ إلا مُجِدٌّ مُطْنِب ، من بين ذي كَفٍّ إلى اللّه فيه ممدودة ، ولسانٍ بحُسن الثناء عليه مَرْدودة ، تخدُمه أنفسهم بالصفاء ، وألسنتهم بحُسن الثناء له والدعاء ، إن نام باتُوا له هاجدين ، أو قام وَقَعُوا له ساجدين ، أدام اللّه لهم وارِف ظلِّه ، ولا سَلَبهم عَوارفَ فضله ، وأخذ الجميعَ منهم فِداءَه ، وقدَّم في ذلك قبلَ أوليائه أعداءَه ، وحفظ مُلكه بصِوان « 7 » السَّعادة ، وقَرنَ كلَّ عَزْمة له بمختار الإرادة ، وكَبَتَ عنه بالنُّصرة مُسْتَهْدِفى عُداه « 8 » ، وحَكَّم فيهم نوافذ أسنَّته ، ومواضِىَ مُداه ، وجعله وارثاً لجَلْهات « 9 » بلادهم ، ومتكفِّلا بعد الصَّيْلم المُوتِمة لترائِك أولادهم « 10 » ؛ شكرا له أيُّها النَّهِيمُ على محاسن العلوم ، الباحث عن نتائج مقدّمات الحُلوم « 11 » ، فما أسلمَك للواحق الزّمان ، ولا خَلَّى بينك وبين طوارق الحَدَثان « 12 » ، بل كَفاكَ ما كان يُنازعُك

--> ( 1 ) القَلوص : الفتية من الإبل ، والقَلوص : أنثى الحبارى ، وندّ البعير ؛ إذا شرد ، وندت الإبل : نفرت ، وذهبت شروداً : والمعنى : إن النعمة كالدابة تذهب عن صاحبها بسبب كفره . ( 2 ) ضفا يضفو : كثر . ( 3 ) قادم الإنسان : رأسه ، الجمع : القوادم ، وهي المقادم ، وأكثر ما يتكلم به جمعاً . ( 4 ) القوادم : أربع ريشات في مقدم الجناح ، الواحدة : قادمة ، وقيل : قوادم الطير مقاديم ريشه ، وهي عشر في كل جناح . ( 5 ) الطَّعَم : جمع الطُّعْمة وهي المأكلة ، وجمع الطُّعْمة وهي شبه الرزق . ( 6 ) تمشر الشجر إذا أصابه مطر فخرجت ورقته . ( 7 ) الصِّوان والصُّوان : ما صنت به الشئ . ( 8 ) العدو : ضد الصديق ، وأما عِدىً وعُدىً فاسمان للجمع . ( 9 ) الجلْهة : فم الوادي ، وقيل : جانبه . ( 10 ) الصيلم : الداهية ؛ والأمر المستأصل ، التريكة : البيضة بعدما يخرج منها الفرخ ؛ والجمع : ترائك . ( 11 ) الحِلْم بالكسر : الأناة والعقل وجمعه أحلام وحُلوم . ( 12 ) حدثان الدهر وحوادثه : مصائبه .