أحمد بن فارس بن زكريا ( ابن فارس )
مقدمة الناشر 23
معجم مقاييس اللغه
من جنس العلم الذي يتعاطاه ، فإن وجده بارعاً جَدِلًا جَرَّه في المجادلة إلى اللغة فيغلبه بها . وكان يحثُّ الفقهاء دائماً على معرفة اللغة ، ويلقى عليهم مسائل ذكرها في كتاب سماه فتيا فقيه العرب ، ويخجلهم بذلك ؛ ليكون خجلهم داعياً إلى حفظ اللغة . ويقول : من قصر علمه في اللغة وغولط غلط » . حذقه باللغة وتأليفه كتاب المقاييس : على أن ابن فارس في كتابِه هذا « المقاييس » ، قد بلغ الغاية في الحذق باللغة ، وتكنُّه أسرارها ، وفهم أصولها ؛ إذ يردُّ مفرداتِ كلِّ مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة فلا يكاد يخطئه التوفيق . وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف ، لم يسبقه أحدٌ ولم يخلُفْه أحَد . وأرى أن صاحبَ الفضل في الإيحاء إليه بهذه الفكرة العبقرية هو الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد « 1 » ؛ إذ حاول في كتاب « الاشتقاق » أن يرد أسماء قبائل العرب وعمائرها ، وأفخاذها وبطونها ، وأسماء ساداتها وثُنيانها ، وشعرائها وفرسانها وحكامها ، إلى أصول لغوية اشتُقَّت منها هذه الأسماء . ويقول ابن دريد في مقدِّمة الاشتقاق : « ولم نتَعدَّ ذلك إلى اشتقاق أسماء صنوف النامي من نبات الأرض نجمِها وشجرِها وأعشابها ولا إلى الجماد من صخرها ومَدَرها وحَزْنها وسهلها ؛ لأنا إن رُمْنا ذلك احتجنا إلى اشتقاق الأصول التي تشتق منها . وهذا ما لا نهاية له » . ومما هو بالذكر جدير ، أن ابن فارسٍ كان يتأسّى بابن دريد في حياته العلمية والأدبية والتأليفية ، وهو بلا ريب قد اطَّلع على هذه الإشارة من ابن دريد ،
--> ( 1 ) ولد ابن دريد بالبصرة سنة 223 وتوفى بعمان سنة 321 .