أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

212

تهذيب اللغة

عليه ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [ الأنعام : 23 ] أي لم يظهر الاختبار منهم إلَّا هذا القول . وقوله جلّ وعَزّ مُخبرا عن الملكين هاروت وماروت إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [ البقرة : 102 ] معناها إنما نحن ابتلاء واختبار لكم ، وقوله : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ يونس : 85 ] يقول : لا تظهرْهم علينا فيُعْجَبوا ويظنوا أنهم خيرٌ منا ، فالفتنةُ ههنا إعجابُ الكفار بكفرهم ، والفتنةُ القَتلُ ومنه قول اللَّه جلَّ وعزّ : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النساء : 101 ] ، وكذلك قوله في سورة يونس : عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [ يونس : 83 ] . يفتنهم أي يقتلهم ، وأما قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « إني أرى الفِتن خِلالَ بيوتكم » فإنه يكون القتلَ والحروبَ والاختلافَ الّذي يكون بين فرق المسلمين إذا تَحَزَّبَوا ويكون ما يُبْلَوْنَ به من زينة الدنيا وشهواتها فيُفْتنونَ بذلك عن الآخرة ، والعمل لها . و قوله عليه الصلاة والسلام : « ما تركتُ فِتنةً أضرَّ على الرجال من النساء » . يقول : أخاف أن يُعْجَبُوا بهن فيشتغلوا عن الآخرة والعملِ لها . وأخبرني المنذريّ عن إبراهيم الحَرْبي أنه قال : يقال : فُتِنَ الرجلُ بالمرأة وافْتَتَنَ . قال : وأهل الحجاز يقُولون : فَتَنَتْه المرأةُ وأهل نجد يقولون : أفْتَنَتْهُ . وقال الشاعر فجاء باللُّغَتَين : لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهْيَ بالأمْس أَفْتَنَتْ * سَعيدا فأَمْسى قَدْ قَلا كل مُسْلِمِ وكان الأصمعيّ يُنكر أَفْتَنَتْ ، وذُكِر له هذا البيت فلم يَعْبأْ به ؛ وأكثرُ أهلِ اللغةِ أجازوا اللُّغَتَيْن . ورَوَى الزجاج عن المفسرين في قول اللَّه جلّ وعزّ : فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ [ الحديد : 14 ] . أي استعملتموها في الفتنة ، وقيل : أنَمْتموها ، قال : والفِتْنَةُ الإضلالُ في قوله : ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ( 162 ) إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ( 163 ) [ الصافات : 162 ، 163 ] يقول : ما أنتم بمِضلِّين إلا من أضَلَّه اللَّه أي لَسْتُم تُضِلُّون إلا من أضله اللَّه أي لستم تضلون إلا أهل النار الذين سبق علمه بهم في ضلالتهم ، والفِتنَةُ الجنونُ ، وكذلك الفُتون ، ومنه قول اللَّه جلّ وعزّ : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) [ القلم : 4 ، 5 ] . قال أبو إسحاق : مَعْنى المفتون الّذي فُتِن بالجنون . قال وقال أبو عبيدة : معنى البَاء الطرح كأنه قال أيُّكم المفتون . قال أبو إسحاق : ولا يجوز أن تكون الباءُ لَغْوا ولا ذلك جائز في العربية ، وفيه