أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
125
تهذيب اللغة
* ودون ذاك الأمر لمح باصر * وقال غيره : رأيت فلاناً لمّاحاً باصراً ، أي : نظر بتحديق . قلتُ : والقولُ هو الأوّل . وقال الليث : إذا فَتَح الجَرْوُ عينَه قيل : بَصَّر تَبْصيراً . ويقال : البصيرة : الدِّرع ، وكلُّ ما لُبِس من السلاح فهو بَصائرُ السّلاح . ويقال للفِراسة الصادقة : فِراسةٌ ذاتُ بصيرة . قال : والبصيرةُ : العِبْرة ، يقال : أما لك بصيرةٌ في هذا ؟ أي : عِبْرةٌ تعتبر بها ، وأَنشَد : في الذّاهِبِين الأوّلينَ * من القُرون لنا بصائرْ أي : عِبَر . اللِّحياني عن الكسائيّ : إن فلاناً لمَعْضُوب البُصَر : إذا أصاب جِلْدَه عُضابٌ ، وهو داءٌ يَخرج به . ويقال : أعمى اللّه بصائره ، أي : فِطَنَه . ويقال : بَصَّر فلانٌ تَبْصيراً : إذا أَتَى البَصْرة . قال ابن أحمر : أُخبِّرُ من لاقيتُ أنِّي مُبَصِّرٌ * وكائنْ تَرَى قبلِي من الناس بَصّرَا وقال الليث : في البَصْرَة ثلاثُ لغات : بَصْرَة ، وبِصْرة ، وبُصْرة ، اللّغة العالية البَصْرة . وقال أبو إسحاق في قول اللّه جلّ وعزّ : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] ، أعلمَ اللَّهُ جلّ وعزّ أنّه يُدرك الأبصار ، وفي هذا الإعلام دليلٌ على أن خَلْقَه لا يُدرِكون الأبصارَ ، أي : لا يعرفون حقيقة البَصر ، وما الشيءُ الَّذي به صارَ الإنسانُ يُبصِرُ من عَيْنيه دون أن يُبصِر من غيرهما من سائر أعضائه ، فأَعلَم أنّ خَلْقاً مِنْ خَلْقِه لا يُدرِك المخلوقون كُنْهَه ، ولا يُحيطون بِعلمه ، فكيف به جلَّ وعزّ ، فالأبصارُ لا تُحيط به ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . فأمّا ما جاء من الأخبار في الرؤية وصحّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فغيرُ مدفوع ، وليس في هذه الآية دليلٌ على دَفعها ، لأن معنى هذه الآية معنى إدراكِ الشيء ، والإحاطة بحقيقته ، وهذا مَذهبُ أهلِ السّنّة والعلم بالحديث . وقولُه جلّ وعزّ : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ [ الأنعام : 104 ] ، أي : قد جاءكم القرآنُ الذي فيه البيانُ والبصائر ، فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ نَفْعُ ذلك ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ضَررُ ذلك ، لأن اللّه غنيّ عن خَلْقه . ثعلب عن ابن الأعرابيّ : أبصَرَ الرجلُ : إذا خَرَجَ من الكُفْر إلى بَصيرة الإيمان ،