أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
86
تهذيب اللغة
مُراعِين طُلوعَ الشمس ، ولذلك تَطلعُ الشمسُ لا شُعاع لها مِن غَدِ تلك الليلة ، وهذا بيِّنٌ في حديث أُبيّ بن كعب وذكرِه الآية ليلة القدر . و في حديث آخر : أنَّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال لعليّ : « إنَّ لك بيتاً في الجنة ، وإنَّك لذو قَرنَيها » . قال أبو عبيد : كان بعض أهل العِلم يتأوَّل هذا الحديث أنَّه ذو قَرْنَي الجنَّة ، أي : ذو طَرَفَيها . قال أبو عبيد : ولا أحسِبه أراد هذا ، ولكنه أراد بقوله : ذو قَرنَيْها ، أي : ذو قَرْنَيْ هذه الأمّة ، فأَضمَرَ الأمّة ، وكنَى عن غيرِ مذكورٍ ، كما قال اللَّه جلَّ وعزَّ : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 32 ] أراد الشمسَ ولا ذِكر لها . وقال حاتم : أماويَّ ما يُغْنِي الثَّراء عن الفتى * إذا حشرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدْرُ يعني : النفس ، ولم يذكرها . قال : ومما يحقّق ما قلنا أنَّه عَنى الأُمّةَ حديثٌ يُرْوَى عن علي رضي اللَّه عنه ، أنَّه ذَكَر ذا القَرْنين ، فقال : « دعا قومَه إلى عبادة اللَّه فضَرَبوه على قَرْنَيه ضربتين ، وفيكم مِثلُه » فنُرَى أنه إنَّما عَنى نفسه ، يعني أدعو إلى الحقِّ حتَّى أُضْرَب على رأسي ضربتين يكون فيهما قَتْلي . وروَى أبو عُمَر عن أحمد بن يحيى أنه قال في قول النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم لعليّ : « وإنَّك لَذو قَرْنَيْها » : يعني جَبَلَيها وهما الْحَسن والحسَين . وأنشد : أثَوْرَ ما أَصِيدُكم أم ثوررَيْن * أم هذه الجَمّاءَ ذاتَ القرنينْ قال : قَرناها هاهنا فزّاها ، وكانا قد شَدَنا فإِذا آذاها شيءٌ دَفَعا عنها . قال : وقال المبرّد في قوله الجمّاء : ذات القرنين ؛ قال : كان قرناها صغيرين فشبَّهها بالجُمِّ . ومعنى قوله : « إنك لذو قرنيها » ، أي : إنك ذو قرنَيْ أمّتي كما أنَّ ذا القرنين الذي ذكره اللَّه تعالى في القرآن كانَ ذا قرنَيْ أمَّته التي كان فيهم . و قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم : « ما أدري ذو القرنين كان نبيّاً أم لا ؟ » . وأمَّا القَرَن فإِنّ الحرانيّ رَوَى عن ابن السكيت أنه قال : القَرَن : السّيف والنَبْل ؛ يقال : رجل قارِنٌ : إذا كان معه سيف ونَبْل . أبو عبيد عن الأصمعي قال : القَرَن : جعْبة من جلود تكون مشقوقةً ثم تُخرَزُ ، وإنما تُشَقّ كي تَصِل الرِيحُ إلى الريش فلا يَفْسُد . وقال ابن شُميل : القَرَن من خَشَب وعليه أديمٌ قد غُرِّيَ به ، وفي أعلاه وعُرْض مقدَّمه فَرْجٌ فيه وشجٌ قد وُشِجَ بينه قِلاتٌ ،