أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
16
تهذيب اللغة
خلق : قال اللَّيْثُ : الْخَلِيقَةُ : الْخُلُقُ ، وجَمْعُها : الْخَلائِقُ . أبُو عُبَيْد ، عن أَبِي زَيْدٍ : إنه لكريم الطبيعة والْخَلِيقَة والسَّلِيقَة : بمعنى واحد . قلتُ : ورأيتُ بِذُرْوَةِ الصَّمَّان قِلَاتاً تمسك ماء السحاب في صَفَاةٍ خَلَقها اللّه فيها ، تسمَّيها العرب الخَلائِقَ ، الواحدة خَلِيقَةٌ ورأيت بالْخَلْصَاء من جبال الدَّهْنَاءِ دُحْلَاناً خَلَقَها اللَّه في بطون الأرض ، أَفواهما ضيقة ، فإذا دخلها الداخل وجدها تَضِيق مرة وتتسع أخرى ، ثُمَّ يُفْضي المَمَرّ فيها إلى قَرَارٍ للماء واسعٍ لا يُوقَفُ على أقصاه ، والعرب إذا تَرَبَّعوا الدَّهْنَاءَ ولم يقع رَبيعٌ بالأرض يملأ الْغُدْرَانَ - استقوا لخيلهم وشفاههم من هذه الدُّحْلَانِ . ومن صفات اللَّه : الْخالِقُ و الْخَلَّاقُ * ، ولا تجوز هذه الصفة بالألف واللام لغير اللَّه جلَّ وعزَّ . والْخَلْقُ في كلام العرب : ابتداعُ الشيء على مثالٍ لم يُسْبَقْ إليْه . وقال أَبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبَارِيِّ : الْخَلْقُ في كلام العرب على ضربين ، أحدهما : الإنشاء على مثالٍ أبدعه ، والآخر : التقدير . وقال في قول اللَّه جل وعز : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] معناه : أحسنُ المقدرين ، وكذلك قوله : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [ العَنكبوت : 17 ] أي : تُقَدِّرون كَذباً . قلتُ : والعرب تقول : خَلَقْتُ الأَدِيمَ إذا قدَّرْتَه وقِسْتَه ، لتَقطع منه مَزَادَةً أو قِرْبَةً أو خُفّاً . وقال زُهَيْر : وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ * ضُ الْقوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي يمدح رجلًا فيقول له : أنت إذا قدَّرْتَ أمراً قطعتَه وأمضيتَه ، وغيرُك يقدِّر ما لَا يقطعُه ، لأنه غير ماضي العَزم ، وأنت مَضَّاءٌ على ما عزمتَ عليه . وقال الكُميتُ : أَرَادُوا أَنْ تُزَايِلَ خَالِقَاتٌ * أَدِيمَهُمُ يَقِسْنَ وَيَفْتَرينَا يصف ابْنَيْ نِزَارِ بْنِ مَعَدّ - وهما رَبِيعَةُ ومُضَرُ - أراد : أن نَسَبَهُمْ وأديمهم واحد . فإذا أراد خَالِقَاتُ الأديم التفريقَ بين نسبهم تَبَيَّن لهنَّ أنه أديمٌ واحد لا يجوز خَلْقهُ للقطع ، وضَرَبَ النساءَ الْخَالِقَاتِ للأديم - مَثَلًا للنسَّابين الذين أرادوا التفريق بين ابْنَيْ نزَارٍ . ويقال : زايلتُ بين الشيئين وزيَّلْتُ : إذا فرقْتَ ، وقال اللَّه جلّ وعزّ : ( إن هذا إلّا خَلْقُ الأولين ) [ الشُّعَرَاء : 137 ] وقرئ خُلُقُ . وقال الفَرَّاءُ : من قرأ ( خَلْقُ الأولين ) أراد اختلافَهم وكذِبَهم ، ومن قرأ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ - وهو أَحَبُّ إلى الفرَّاء أراد عَادَةَ الأوّلين .