أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
81
تهذيب اللغة
وأَنْ قد يُرَى مِنيّ لِما قد أصابني * مِنَ الحُزن أَنِّي ساهفُ الوَجْهِ ذُو هَمِّ سفه : قال اللَّه جلّ وعزّ : ( إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) [ البَقَرَة : 130 ] . قلت : اختَلفتْ أقاويلُ النَّحويِّين في معنى قوله : ( إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) وانتصابه . فقال الأخفش : أهل التأويل يَزْعمون أنّ المعنى : سَفّه نَفْسَه . وقال يونسُ النحويّ : أُراها لغَةً ، ذهب يونُس إلى أنّ فَعِل للمبالغة ، كما أنّ فعَّل للمبالغة ، فذهب في هذا مَذْهبَ أهل التأويل ، ويجوزُ على هذا القول سَفِهْتُ زيداً ، بمعنى : سفَّهْتُ زيداً . وقال أبو عبيدة : معنى سَفِهَ نَفْسَهُ : أَهْلَك نفسه ، وأوْبَقَها ، وهذا غير خارجٍ من مذهبِ يونُسَ ، وأهلِ التأويل . وقال الكسائيُّ والفرّاء : إنّ ( نَفْسَهُ ) منصوب على التفسير ، وقالا : التفسير في النكرات أكثر ، نحو « طِبْتُ به نَفْساً » و « قَرِرت به عَيْناً » . وقالا معاً : إنَّ أصل الفعل كان لها ، ثمّ حُوِّل إلى الفاعل ؛ أراد أنّ قولهم : « طبت به نفساً » معناه طابت به نفسي ، فلمّا حُوِّل الفعل إلى ذي النفس خرجت النفس مفسِّرة وأنكر البصريّون هذا القول وقالوا : لا تكون المفسِّرات إلّا نَكِراتٍ ، ولا يجوز أن تُجْعَل المَعارفُ نَكِراتٍ . وقال بعض النحويّين في قوله : ( إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) [ البَقَرَة : 130 ] ، معناه إلا من سفه في نفسه ، إلّا أنّ « في » حُذفت كما حذفت حروفُ الجرّ في غير موضع : قال اللَّه جلّ وعزّ : ( وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) [ البَقَرَة : 233 ] ، المعنى أن تسترضعوا لأولادكم ، فحُذِفَ حرفُ الجرّ من غير ظَرْف ، ومثله قول الشاعر : نُغَالِي اللَّحْمَ للأَضْيافِ نِيّاً * ونَبْذُلُه إذا نَضِج القُدُورُ المعنى : نغالي باللحم . وقال الزجّاج بعد ما ذكَر أقاويلَ النَّحويّين القولُ الجيّد عندي في هذا أنّ ( سَفِهَ ) [ البَقَرَة : 130 ] في موضع « جَهِل » ، فالمعنى - واللَّه أعلم - إلا مَنْ جهل نفسه : أي لم يُفَكِّر في نفسه ، فَوُضِع ( سَفِهَ ) في موضع « جهل » ، وعُدِّي على المعنى . فهذا جميعُ ما قال النحويُّون في هذه الآية . قلت : ومما يقوِّي قولَ الزَّجَّاج الحديثُ المرفوع : حين سُئِل النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلّم عن الكِبْر ، فقال : « الكِبْرُ أنْ تَسْفَه الحقَّ ، وتَغْمِطَ النّاس » ؛ معناه أن تجهَل الحقَّ فلا تراه حَقّاً ، واللَّه أعلم . وقال بعض أهل اللّغة : أصل السَّفَه : الخفّة ، ومعنى السَّفِيه : الخفيفُ العَقْل ، ومن هذا يقال : تسفَّهَتِ الرّياحُ الشيء : إذا حرَّكَتْه واستخفّته فطيَّرتْه ، وقال الشاعر : مَشَيْنَ كما اهتَزَّت رِماحٌ تَسَفَّهَتْ * أعالِيَها مَرُّ الرّياحِ النَّواسِمِ ويقال : ناقةٌ سَفِيهةٌ الزِّمام : إذا كانت خفيفة السَّيْر .