أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

229

تهذيب اللغة

طُليَت هذه المواضعُ منه ، ومنه قول ذي الرمة : قَرِيعُ هجانٍ دُسَّ منه المَسَاعِرُ * فإذا عُمَّ جسدُ البعير كله بالهِناء فذلك التَّدجِيل ، يُضرَب مثلًا للذي لا يُبالِغ في إحكام الأمور ولا يَستوثِق منها ، ويَرضَى باليسير منها . ثعلب عن ابن الأعرابيّ : تهنَّأَ فلانٌ ، إذا كَثُر عَطاؤُه ، مأخوذٌ من الهِنْء ، وهو العطاء الكثير . وقال ابن شميل : قال الخليل في قول الأعشى : لا تَهَنَّا ذِكرَى جُبَيْرةَ أَمَّنْ * جاء منها بطائفِ الأهوال قال : يقول : لا تُجَمْجِمُ عن ذِكرها ، لأنه يقول : قد فعلتُ وهنَيْتُ ، فتُجَمْجِم عن شيء ، فهو من هنَيْتُ ، وليس بأَمْر ، ولو كان أَمراً كان جَزْماً ، ولكنه خبر . يقول : أَنت لا تَهْنَا ذِكْرَها . قلتُ : وقال غيرُ الخليل في قولهم : « لاتَ هنَّا » : « لاتَ » حرف ، و « هنَّا » كلمة أُخرى . وأَنشد الأصمعيّ : لات هَنَّا ذِكرَى جُبَيْرة * البيت ، يقول : ليس جُبيرةُ حيثُ ذهبْتَ ، ايأَسْ منها ، ليس هذا بموضع ذِكرها . قال : وقولُه : . . . . أَمَّنْ * جاء منها بطائفِ الأهوالِ يَستفهم ، يقول : مَن الذي دَلَّ خيالها علينا ؟ وقال الراعي : نعمْ لاتَ هَنَّا إنَّ قلْبَك مِتْيَحُ * يقول : ليس الأمرُ حيث ذهبتَ ، إنما قلبُك مِتيحٌ في غير ضَيعة . وقال أبو عبيد : من أَمثال العرب : « حَنَّتْ ولاتَ هَنَّت » ، وأَنَّى لك مقروع . قال : يُضرَب مَثَلًا لمن يُتهَم في حديثه ولا يُصدَّق ، قاله مازن بنُ مالك بن عمرو ابن تميم لابنة أخيه الهَيْجُمانة بنت العَنْبر بن عَمْرِو بن تميم حين قالت لأبيها : إنّ عبد شمس بن سعد بن زيد مَناةَ يريد أن يُغِير عليهم فاتهمها مازِن ، لأنّ عبدَ شمسٍ كان يَهْوَاها وتهْوَاه ، يقال هذه المقالة ، وقوله : عَنَّت أي حَنَّت إلى عبد شمس ونزَعَتْ إليه وقوله : ولاتَ هَنَّتْ : أي ليس الأمرُ حيثُ ذهبَتْ . وقال شمر : سمعتُ ابنَ الأعرابيّ يقول في قول مازِن : حَنَّت ولاتَ هَنَّتْ ، يقول : حَنّت إلى عاشقها ، وليس أوانَ حَنين ، وإنما هُوَ وَلَا ، والهاءُ صلة جُعِلْت تاءً ، ولو وقَفتَ عليها لقلتَ : لَاهْ في القياس ، ولكن يَقِفون عليها بالتاء . قال ابن الأعرابيّ : وسأَلْتُ الكسائيّ : كيف تَقِف على بنت ؟ ، فقال بالتاء اتّباعاً للكتاب ، وهي في الأصل هاء . قلت : والهاء في قوله : هَنَّتْ كانت هاءَ الوَقْفة ، ثم صُيِّرتْ تاءً ليُزاوِجُوا به حَنّت . والأصل هَنَّا ، ثم قيل في الوقف : هَنّه للوقف ، ثم صُيِّرتْ تاءً .