أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

7

تهذيب اللغة

فيها راحلةٌ ، فليس المعنى ما ذَهَبَ إليه . والذي عندي فيه أنَّ اللَّه تبارك وتعالى ذَمَّ الدنيا ورُكُونَ الخلْقِ إليها وحذَّرَ عِبَادَهُ سُوءَ مَغَبَّتِها ، وزهَّدَهُم في اقتنائِها وزُخْرُفِها وضربَ لَهُمْ فيها الأمْثَالَ لِيَعُوها ويَعْتَبِرُوا بها ، فقال : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ ) [ الحَديد : 20 ] الآية . وكان النبي صلّى اللَّه عليه وسلم يحذِّرُ أصحابَه بما حذَّرَهم اللَّه من ذَمِيم عَوَاقِبِها وينهاهم عن التَّبَقُّرِ فيها ويزهِّدُهم فيما زهَّدَهُم اللَّه فيه منها ، فَرَغِبَ أكثرُ أصحابه عليه السلام بعده فِيهَا ، وتَشَاحُّوا عليها وتَنَافَسُوا في اقتنائِها حتى كان الزهدُ في النادِرِ القليلِ منهم ، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلم : « تجدون الناس بَعْدِي كإبلٍ مِائَةٍ ليس فيها راحلةٌ » ولم يُرِدْ بهذا تساوِيَهُم في الشَّرِّ ولكنه أراد أنَّ الكامِلَ في الخَيْرِ والزَّاهِدَ في الدُّنيَا مع رَغبَتِهِ في الآخِرَةِ والعملِ لها قليلٌ ، كما أن الراحلَةَ النجيبةَ نادِرٌ في الإبل الكثيرِ . وسمعت غَيْرَ واحِدٍ من مشايِخِنا يقول : إن زُهَّادَ أصحابِ رسولِ اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم لم يَتَتَامُّوا عشرةً مع وُفُور عددِهم وكثرة خَيْرِهم ، وسبقِهم الأمَّةَ إلى ما يستَوْجِبُون به كريمَ المآب برحمة اللَّه إيَّاهم وَرِضْوانِه عليهم . فكيف مَنْ بَعْدَهم . وقد شاهَدُوا التَّنْزِيلَ وعايَنُوا الرَّسُولَ وكانوا مع الرغْبَةِ التي ظَهَرَتْ منهم في الدنيا خَيْرَ هذه الأمة التي وصَفَهَا اللَّه جلَّ وعَزَّ فقال : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) [ آل عِمرَان : 110 ] وواجبٌ على مَنْ بَعْدَهمْ الاستغفارُ لهم والترحمُ عليْهِم وأن يسأَلُوا اللَّه أَلَّا يجعل في قُلُوبهم غِلًّا لهم ولا يذكُرُوا أحداً بما فيه مَنْقَصَةٌ لهم ، واللَّه يرحمنا وإيّاهم ويتغمَّد زَلَلَنَا بفضْلِهِ ورحمته إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * . أبو عبيد عن أبي عمرو : ناقَةٌ رَحِيلَةٌ : شديدَةٌ قويَّةٌ على السير ، وجمل رَحيلٌ مِثلُه ، وإنَّها لَذَاتُ رُحْلَةٍ . وقال الأمَويٌّ ناقةٌ حِضَارٌ إذا جَمَعَتْ قُوَّةً ورُحْلَةً يعني جَوْدَةَ السير . وقال شَمِر : ارْتَحَلْتُ البعيرَ إذا شدَدْتُ الرَّحْلَ عَلَيْهِ وارْتَحَلْتُه إذا رَكِبْتَهُ بقتب أو اعْرَوْرَيْتَهُ وقال الجعدي : وما عَصَيْتُ أميراً غَيْرَ مُتَّهَمٍ * عِنْدِي ولكنَّ أَمْرَ المرْءِ مَا ارْتَحَلَا أي يَرْتَحِلُ الأمر ، يركبه . قال شمر : ولو أنّ رجلًا صَرَع آخر وقعد على ظهره لقلت رأيتُه مُرْتَحِله . ومُرْتَحَلُ البعير : مَوْضِعُ رَحْلِه من ظَهْرِه وهو مَرْحَلُهُ ، قال : وبعيرٌ ذو رُحْلَةٍ وذو رِحلة وبعير مِرْحَلٌ ورَحِيلٌ إذا كان قويّاً . الحرَّاني عن ابن السكيت : قال الفراء : رِحْلَةٌ ورُحْلَةٌ بمعنًى واحدٍ ، قال وقال أبو عمرو الرِّحْلَةُ : الارتحال ، والرُّحلَةُ بالضم : الوجْه الذي تُرِيدُه . تقول : أَنتُمْ رُحْلَتِي . قال وقال أبو زيد نَحْواً منه . ويقال للراحلة التي رِيضَتْ وأُدِّبت : قد أَرحَلَتْ إِرْحَالًا وأَمهَرَتْ إِمْهَاراً إذا جَعَلها الرائِض مَهْريَّة وراحلةً .