محمد بن الحسن بن دريد الأزدي

50

جمهرة اللغة

لفصل ما بين الخاء والعين بالدال ، فإن قلبت الحروف قبح ، فعلى هذا القياس فألّف ما جاءك منه وتدبّر فإنه أكثر من أن يحصى . واعلم أن أكثر الحروف استعمالا عند العرب الواو والياء والهمزة ، وأقلّ ما يستعملون لثقلها « 1 » على ألسنتهم الظاء ثم الذال ثم الثاء ثم الشين ثم القاف ثم الخاء ثم العين « 2 » ثم الغين ثم النون ثم اللام « 3 » ثم الراء ثم الباء ثم الميم ، فأخفّ هذه الحروف كلّها ما استعملته العرب في أصول أبنيتهم من الزوائد لاختلاف المعنى ، وقد تقدم ذكرها وتفسير مواقعها . ومما يدلّك أنهم لا يؤلّفون « 4 » الحروف المتقاربة المخارج أنه ربما لزمهم ذلك من كلمتين أو من حرف زائد فيحوّلون أحد الحرفين حتى يصيّروا الأقوى منهما مبتدأ على الكره منهم ، وربما فعلوا ذلك في البناء الأصلي . فأما ما فعلوه من بنائين فمثل قوله تعالى جل ثناؤه : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 5 » لا يبيّنون اللام ويبدلونها راء لأنه ليس في كلامهم لرّ ، إلّا أنهم قد قالوا : ورل ، وهو دويبة صغيرة أصغر من الضبّ ، وأرل ، وهو جبل معروف ، لمّا جاءت الهمزة والواو قبل الراء . وأنشدوا ( بسيط ) « 6 » : وهبّت الريحُ من تلقاء ذي أرُلٍ * تُزجي سحابا قليلًا ماؤُه شَبِما فلما كان كذلك أبدلوا اللام فصارت مثل الراء . ومثله : الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ لا تستبين اللام عند الراء . وكذلك فعلهم فيما أدخل عليه حرف زائد وأبدل ، فتاء الافتعال عند الطاء والظاء والزاي والضاد « 7 » وأخواتها تحوّل إلى الحرف الذي يليه حتى يبدأوا بالأقوى فيصيرا « 8 » في لفظ واحد وقوة واحدة . فأما ما فعلوه في بناء واحد وقوة واحدة فمثل السين عند القاف والطاء يبدلونها صادا ، لأن السين إذا اجتمعت في كلمة مع الطاء أو مع القاف أو مع الحاء فأنت مخيّر إن شئت جعلتها صادا وإن شئت جعلتها سينا ، وليس هذا في كل الكلام ؛ قالوا : سراط وصراط ، وسقر وصقر ، وسبخة وصبخة ، وسويق وصويق ، ولم يقولوا الصّوق بدل السّوق ، إلا أن يونس بن حبيب ذكر أنه سمع من العرب الصّوق بالصاد . والغين إذا اجتمعت مع السين في كلمة فربما جعلوا السين صادا والصاد سينا ؛ قالوا : سوّغته وصوّغته ، وقالوا : أصبغ اللّه عليه النّعمة وأسبغها ، ولم يقولوا : سبغت الثوب في معنى صبغت لأن السين من وسط الفم مطمئنّة

--> ( 1 ) ل : « لقلّتها » . ( 2 ) « ثم العين » : سقط من م ط . ( 3 ) « ثم اللام » : سقط من ل . ( 4 ) ل : « يقولون » . ( 5 ) المطفّفين : 14 . ( 6 ) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه 63 . وانظر : كتاب العين ( صرم ) 7 / 121 ، والمقاييس ( صرم ) 3 / 345 ، والصحاح ( صرم ) ، واللسان ( أرل ، صرم ) ، ومعجم البلدان ( أرل ) 1 / 154 . وسيأتي البيت أيضا ص 1068 برواية : * تزجي مع الليل من صرّادها صرما * وهي رواية الديوان . أما العجز الذي هنا فللبيت الذي يليه في الديوان . ( 7 ) م ط : « والصاد » . ( 8 ) م : « أو يصيروا » ؛ ط : « فيصير » .