محمد بن الحسن بن دريد الأزدي

46

جمهرة اللغة

للّسان فيها « 1 » ، ثم الظاء والثاء والذال ، بطرف اللسان وأطراف الثنايا ، ثم الضاد ، من وسط اللسان مما يليه إلى الحافة اليمنى . وإنما خالف بين هذه الحروف المتقاربة حتى اختلفت أصواتها الهمس ، والجهر ، والشدة ، والرخاوة ، والمدّ ، واللين ، والإطباق . فالحروف المهموسة : الهاء والحاء والكاف والخاء والسين والشين والثاء والصاد والتاء والفاء ؛ وإنما سمّيت مهموسة لأنه اتّسع لها المخرج فخرجت كأنها متفشّية . والمجهورة : الهمزة والألف والعين والغين والقاف والجيم والياء والضاد واللام والنون والراء والزاي والدال والذال والطاء والظاء والباء والواو والميم « 2 » ؛ سمّيت مجهورة لأن مخرجها لم يتّسع فلم تسمع لها صوتا . والحروف الرّخوة : الهاء والحاء والكاف والخاء والسين والشين والعين والغين « 3 » والصاد والضاد والظاء والذال والثاء والفاء والزاي ؛ سمّيت رخوة لأنها تسترخي في المجاري . واعلم أن هذه الحروف ربما كانت مهموسة رخوة « 4 » وفيها بعض ما في غيرها فلذلك كرّرتها . وأما حروف المدّ واللين فثلاثة لا غير : الواو والياء والألف ، وإنما سمّيت ليّنة لأن الصوت يمتدّ فيها فيقع عليها الترنّم في القوافي وغير ذلك ، وإنما احتملت المدّ لأنها سواكن اتّسعت مخارجها حتى جرى فيها الصوت . والحروف المطبقة : الصاد والضاد والطاء والظاء لأنك إذا لفظت بها أطبقت عليها حتى تمنع النّفس أن يجري معها . والحروف الشديدة : الطاء والشين « 5 » والجيم وغير ذلك مما تقدر أن تشدّده إذا لفظت به . فهذا جميع مجاري الحروف ومدارجها فانظر فيها نظرا غير كليل وأجل فيها فكرا ثاقبا تظفر بمرادك إن شاء اللّه . وإنما عرّفتك المجاري لتعرف ما يأتلف منها ممّا لا يأتلف فإذا جاءتك كلمة مبنيّة من حروف لا تؤلّف مثلها العرب عرفت موضع الدّخل منها فرددتها غير هائب لها . واعلم أن الحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت ، لأنك إذا استعملت اللسان في حروف الحلق دون حروف الفم ودون حروف الذلاقة كلّفته جرسا واحدا وحركات مختلفة ؛ ألا ترى أنك لو ألّفت بين الهمزة والهاء والحاء فأمكن لوجدت الهمزة تتحوّل هاء في بعض اللغات لقربها منها نحو قولهم في « أم واللّه » : « هم واللّه » « 6 » ، وكما قالوا في « أراق » : « هراق الماء » ؛ ولوجدت الحاء في بعض الألسنة تتحوّل هاء ، وقد ذكرت هذا آنفا ، وإذا تباعدت مخارج الحروف حسن وجه التأليف ، وأنا واصف لك هذا في موضعه إن شاء اللّه تعالى . واعلم أنه لا يكاد يجيء في الكلام ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لصعوبة ذلك عليهم ، وأصعبها حروف الحلق ، فأما حرفان فقد اجتمعا في كلمة مثل أخ بلا فاصلة ، واجتمعا في مثل أحد « 7 » وأهل وعهد « 8 » ونخع ، غير أن من شأنهم إذا أرادوا هذا أن يبدأوا بالأقوى من الحرفين ويؤخّروا

--> ( 1 ) زاد في م بعد هذا : « قال أبو بكر : الخيشوم : الخرق الذي بين الفم والأنف ، منه يخرج النّفس فسمّي الأنف كله خيشوما » . ( 2 ) ط : « والواو والجيم » ؛ وهو تحريف لأن الثاني مكرّر . ( 3 ) « والعين والغين » : سقط من ل م . ( 4 ) ل : « مهموسة رخوة ومهموسة » . ( 5 ) ط : « والسين » . ( 6 ) قارن الإبدال لأبي الطيّب 2 / 550 . ( 7 ) ل : « أخ وأحد » . ( 8 ) وفي مادة ( عهد ) في الجمهرة ص 668 « واجتماع الهاء والعين في كلمة واحدة قليل في كلام العرب » .