محمد بن الحسن بن دريد الأزدي
45
جمهرة اللغة
الحروف المذلقة أما المذلقة من الحروف فهي ستة ولها جنسان : جنس الشفة ، وهي الفاء والميم والباء ؛ لا عمل للسان في هذه الأحرف الثلاثة ، وإنما عملهنّ في التقاء الشفتين ، وأسفلهن الفاء ثم الباء ثم الميم . والجنس الثاني من المذلقة بين أسلة اللسان إلى مقدّم الغار الأعلى ، وهي : الراء والنون واللام ، وهنّ ممتزجات بصوت الغنّة لأن الغنّة صوت من أصوات الخيشوم ، والخيشوم مركّب فوق الغار الأعلى وإليه يسمو هذا الصوت « 1 » . وسمعت الأشناندانيّ يقول : سمعت الأخفش يقول : سمّيت الحروف مذلقة لأن عملها في طرف اللسان ، وطرف كل شيء ذلقه ، وهي أخفّ الحروف وأحسنها امتزاجا بغيرها ، وسمّيت الأخر مصمتة لأنها أصمتت أن تختصّ بالبناء إذا كثرت حروفه لاعتياصها على اللسان . وأما الحرف التاسع والعشرون فجرس بلا صرف ، يريد أنه ساكن لا يتصرّف في الإعراب ، وهو الألف الساكنة ، وذلك أنه لا يكون إلا ساكنا أبدا ، فمن أجل ذلك لم يبدأوا به ، فإذا احتجت أن تحرّكه تحوّله إلى لفظ أحد الحروف المعتلّات : الياء والواو والهمزة ، فمن ثمّ لم يعدّ في الحروف المعجمة حين وجدوه راجعا إلى الثمانية والعشرين ، فإن اللسان ممتنع من أن يبتدئ بساكن أو يقف على متحرّك ، فإذا كانت كلمة أوّلها ألف صارت همزة لحركتها وانتقالها إلى حال الهمزة ، فلذلك قالوا في الألف ما قالوا « 2 » . ومن جنس الفم أيضا ما مخرجه إلى الهواء من الشفتين : الواو والياء ، وهما إلى الثنيّة اليمنى . وهذه جملة مخارج الحروف وأجناسها ، وأنا مبيّن لك بعد هذا وجوه ائتلافها إن شاء اللّه . وقد فسّر النحويون مخارج الحروف وأجناسها تفسيرا آخر ، وقد أثبتّه لك وإن كان فيه طول لتقف على ألقاب الحروف ومخارجها . باب مخارج الحروف وأجناسها ذكر قوم من النحويين أن هذه التسعة والعشرين حرفا لها ستة عشر مجرى ، للحلق منها ثلاثة ، فأقصاها الهاء وهي أخت الهمزة والألف ، والثاني العين والحاء ، والثالث ، وهو أدناها إلى الفم ، الغين والخاء ، فهذه ثلاثة مجار « 3 » . ثم حروف الفم ، فأدناها إلى الحلق القاف ثم الكاف أسفل منها قليلا ، ثم الجيم والشين من اللهاة ، والياء من وسط اللسان بينه وبين ما حاذاه من الحنك الأعلى ، ثم السين والصاد والزاي بجنب اللسان الأيمن من أصول الأضراس إلى أصول الثنايا العليا ، ثم النون تحت حافة اللسان اليمنى « 4 » ، واللام قريبة من ذلك ، والراء « 5 » ، إلا أن الراء أدخل منه بطرف اللسان في الفم ؛ ثم التاء والدال والطاء من طرف اللسان وأصول الثنايا ، ثم الفاء وهي من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا ، ثم الواو والباء والميم ، وهي من بين الشفتين ، ثم النون الخفيفة ، وهي من الخياشيم لا عمل
--> ( 1 ) في ل بعد هذا عبارة نرجّح أنها مقحمة على النصّ الأصلي : « الخيشوم : قال أبو بكر : الخيشوم الذي بين الفم والأنف يخرج فيه النّفس ، فسمّي الأنف كله خيشوما » . ( 2 ) « فإن اللسان ممتنع . . . ما قالوا » : سقط من ل . ( 3 ) « فهذه ثلاثة مجار » : سقط من ل . ( 4 ) م ط : « تحت حافة اللسان من الشق الأيمن » . ( 5 ) ط : « والراء أدخل بطرف إلا أن . . . » !