محمد بن الحسن بن دريد الأزدي
26
جمهرة اللغة
مذهب أهل العراق » ، كما يقول هارون « 1 » ، وفي المصادر القديمة روايات كثيرة تدلّ على صحة رواية ابن دريد وسعة حفظه ، وهذا لا يتفق وما ذكر عن سكره « 2 » . وقد روى الخطيب البغدادي عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق قوله : « وكان أبو بكر واسع الحفظ جدا ما رأيت أحفظ منه ؛ كان يقرأ عليه دواوين العرب كلّها أو أكثرها فيسابق إلى إتمامها ويحفظها ، وما رأيته قطّ قرىء عليه ديوان شاعر إلّا وهو يسابق إلى روايته لحفظه له » « 3 » . ونحن أميل إلى أن نردّ ما انفرد به ابن دريد من الألفاظ الرباعية وغيرها إلى سعة الحفظ وكثرة الأخذ عن العرب ، وهذا يفسّر أيضا ما انفرد به من نقل للغات أزدية ويمانية . وإلى سعة الحفظ ، نرى أن في تكرار ابن دريد في الجمهرة لعبارات من مثل : « لا أدري ما حقيقته » ، و « ليس بثبت » ، و « لا أحقّه » ، و « كذا زعموا » دليلا على تحرّي الضبط وتقصّي الصحّة . ومن المواضع اللافتة في هذا الأمر قوله : « ولا تلتفتنّ إلى قول الراجز : بصريةٍ تزوّجت بصريّا * يُطعمها المالح والطريّا فإنه مولّد لا يؤخذ بلغته » ( ص 568 ) ؛ وقوله معلّقا على من ادّعى أن اشتقاق منشم من « من شمّ » : « وهذا هذيان » ( ص 754 ) ؛ وعدم أخذه باشتقاق الظليم ، أي الذّكر من النعام ، من ظلم الأرض لأنه يدحّي في غير موضع يدحّى به ( ص 934 ) ! وغاية القول إن الطعن على من وضع معجما كالجمهرة أمر له أكثر من داع ، ولذلك لا ينبغي الأخذ به أخذ تسليم لما في المؤلّف نفسه من دلائل تنفي المطاعن ، ولأنّ بإزاء من طعن شهادات لعلماء مدقّقين أنصفوا ابن دريد دون أن يكون لهم غرض في شهادتهم . يقول أبو الطيب : « فهو الذي انتهى إليه علم لغة البصريين ، وكان أحفظ الناس وأوسعهم علما ، وأقدرهم على شعر ؛ وما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وأبي بكر بن دريد » « 4 » . وقد كان للجمهرة أثر بارز في التأليف المعجمي واللغوي ، ونستطيع أن نحدّد ثلاثة معالم لهذا الأثر ، أولها ما تناقله عنه المصنّفون من الغريب ( وإن كان صرّح في مقدمته بأنه اختار الجمهور من
--> - أعد إليه » . ومثله في معجم الأدباء 18 / 130 : « وقال أبو ذرّ عبد الله بن أحمد الهروي : سمعت ابن شاهين يقول : كنّا ندخل على ابن دريد ونستحيي منه لما نرى من العيدان المعلّقة ، والشراب المصفّى موضوع ، وقد جاوز التسعين سنة » . ( 1 ) مقدمة الاشتقاق 14 . ( 2 ) إلى هذا نجد في ابن دريد ورعا شديدا عندما تصادفه كلمة قرآنية أو معنى ديني . ففي اللات يقول إنه لا يحبّ الكلام على اشتقاقها ( 82 ؛ وقارن الاشتقاق 11 لاسم الجلالة ) ؛ وفي لفظة الخليل يقول : « ولا أزيد فيه شيئا لأنه في القرآن » ( 108 ) ؛ وفي قوله تعالى : سُجِّرَتْ يقول : « وزعموا أنه من الأضداد ، ولا أحبّ أن أتكلم فيه » ( 457 ) ؛ وفي الرحيق يقول : « وخلّط فيه أبو عبيدة فلا أحبّ أن أتكلم فيه » ( 519 ) ؛ وفي الرّوح يقول : « وأما الرّوح فلا ينبغي لأحد أن يقدم على تفسيره » ( 526 ) ؛ وفي اللوح المحفوظ يقول : « فهذا ما لا نقف على كنه صفته ولا نستجيز الكلام فيه إلّا التسليم للقرآن واللغة . والألواح في قصة موسى عليه السلام ، ولا أقدم على القول فيه ، واللّه أعلم ما هي » ( 571 ) . وكذلك لا يحبّ أن يتكلم في الإثم ( 1036 ) ، ومعنى المسيح ( 353 ) ، الخ . ( 3 ) تاريخ بغداد 2 / 196 . ( 4 ) مراتب النحويين 136 .