محمد بن الحسن بن دريد الأزدي
25
جمهرة اللغة
أن في العين كثيرا من الشواهد التي لم يذكرها ابن دريد ، وبالتالي لم يجد كثير منها طريقه إلى المعجمات المتأخرة . ومن مظاهر تفرّد الجمهرة عن العين أن ابن دريد أورد موادّ أهملها الخليل - مثل مادة « معس » ( ص 843 ) ، وهي من المهمل في العين ( 1 / 346 ) - كما أن موعب ابن التّيّاني المذكور فيه زيادات من ابن دريد ، ولم تحدّد المصادر أنها زيادات في الشواهد فقط ، فالأرجح أنها في الشواهد والشروح والموادّ جميعا : وإلى ذلك تجد لابن دريد آراء في منع أشياء نجد الخيل قد أجازها ؛ من ذلك قول ابن دريد : « ويقال : مرّ الفرس يركض ، ولا يقال : يركض » ( ص 750 ) ، في حين أن الخليل يقول : « وفلان يركض دابّته يضرب جنبيها برجليه ، ثم استعملوه في الدوابّ لكثرته على ألسنتهم ، فقالوا : هي تركض ، كأن الركض منها » ( 5 / 301 ) . ولعل في الشواهد السابقة دليلا قويا وواضحا على أن ابن دريد ، وإن أفاد الخطّة من الخليل واعترف بفضله ، ألّف كتابا متفرّدا له « شخصية » خاصة به ، وأنه جاء بشواهد وآراء وشروح لا نجدها في العين . وأحسن ما يستدلّ به على ذلك أخيرا قول تلميذه المسعودي عنه : « وكان ممن قد برع في زمننا هذا في الشعر ، وانتهى في اللغة ، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها ، وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين » « 1 » . ولم يسلم ابن دريد ، بعد التّهمة التي جاء بها نفطويه ، من تهم أخرى أشدّ قسوة وأدهى مضمونا ؛ ونعني التّهم التي صدّر بها الأزهري تهذيبه ، حيث يقول : « وممّن ألّف في عصرنا الكتب فوسم بافتعال العربية وتوليد الألفاظ التي ليس لها أصول ، وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامهم أبو بكر محمد ابن الحسن بن دريد الأزدي صاحب كتاب الجمهرة ، وكتاب اشتقاق الأسماء ، وكتاب الملاحن » « 2 » . وكذلك رماه الأزهري بالتصحيف : « وتصفّحت كتاب الجمهرة فلم أره دالّا على معرفة ثاقبة ، وعثرت منه على حروف كثيرة أزالها عن « وجوهها » « 3 » . ويقول الأزهري في بعض الرباعي مما أورده ابن دريد : « هذه حروف لا أثق بها لأني لم أحفظها لغيره ، وهو غير ثقة ، وجمعتها في موضع واحد لأفتّش عنها فما صحّ منها لإمام ثقة أو في شعر يحتجّ به فهو صحيح ، وما لم يصحّ توقّف عنه إن شاء اللّه « 4 » . وفي كلام الأزهري كثير من التجنّي والتحامل ، ويكفي أن نعلم ، كما صرّح هو في مقدّمته ، أنه سأل نفطويه عنه فاستخفّ به لم يوثّقه في روايته ! وكأن نفطويه شاهد عدل في هذه المسألة ! أما شرب ابن دريد للخمر فيما صرّح الأزهري « 5 » وفيما روي عنه « 6 » ، فمبلغ الظن فيه « أنه كان يشرب النبيذ على
--> ( 1 ) مروج الذهب 4 / 320 . ( 2 ) تهذيب اللغة 1 / 31 . ( 3 ) نفسه 1 / 31 . ( 4 ) نفسه 5 / 334 - 335 . ( 5 ) في التهذيب 1 / 31 : « ودخلت عليه يوما فوجدته سكران لا يكاد يستمرّ لسانه على الكلام ، من غلبة السكر عليه » . ( 6 ) في معجم الأدباء 18 / 131 : « وقال أبو ذرّ الهروي : سمعت أبا منصور الأزهري يقول : دخلت على ابن دريد فرأيته سكران فلم -