أبو علي سينا

350

النفس من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )

البتة ، بل يتخيل لي وجوده فقط من غير جسمية . فيكون قد فهمته من جهة أنه ليس بجسم ، إذ لم أفهم الجسمية ، مع أنى فهمته . ثم إذا حققت فإني كلما عرضت « 1 » جسمية لهذا الشئ الذي هو مبدأ هذه الأفعال ، لم يجز أن يكون ذلك الشئ جسما ، فبالحري أن يكون تمثله الأول في نفسي أنه شئ مخالف لهذه الظواهر وأن تغلطنى « 2 » مقارنة الآلات ومشاهدتها وصدور الأفعال عنها ، فأظن أنها كالأجزاء منى ، وليس إذا غلط في شئ وجب له حكم ، بل الحكم لما يلزم أن يعقل . وليس إذا كنت طالبا لوجوده « 3 » ولكونه غير جسم فقد كنت جاهلا بهذا جهلا مطلقا ، بل كنت غافلا عنه . وكثيرا ما يكون العلم بالشئ قريبا ، فيغفل عنه ، ويصير في حد المجهول ، ويطلب من موضع أبعد . وربما كان العلم القريب جاريا مجرى التنبيه ، وكان مع خفة المؤونة فيه كالمذهوب عنه ، فلاترجع الفطنة إلى طريقه لضعف الفهم ، فيحتاج أن يؤخذ فيه مأخذ بعيد . فبين من هذا أن لهذه القوى مجمعا هو الذي تؤدّى كلها إليه ، وأنه غير جسم وإن كان مشاركا للجسم أو غير مشارك . وإذ قد بينا صحة هذا الرأي فيجب أن نحل الشبه المذكورة . أما الشبهة الأولى ، فنقول : إنه ليس يجب إذا كانت النفس واحدة الذات أن لا تفيض عنها في أعضاء مختلفة قوى مختلفة ، بل من الجائز أن يكون أول ما يفيض عنها في البزر والمنى قوة الإنشاء ، فتنشىء أعضاء على

--> ( 1 ) - فرضت ، نسخة . ( 2 ) - أغلطه أي أوقعه في الغلط . ( 3 ) - أي وجود ذلك المبدأ .