أبو علي سينا
346
النفس من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )
فيشتغل ببعضها عن بعض فلا يستعمل ذلك البعض ولا يدبره ، لما كان بعضها يمنع بعضا عن فعله بوجه من الوجوه ولا ينصرف عنه . لأن فعل قوة من القوى إذا لم يكن لها اتصال بقوة أخرى ، لا يمنع القوة الأخرى عن فعلها إذا لم تكن الآلة مشتركة ولا المحل مشتركا ولا أمر يجمعهما غير ذلك مشتركا . ونحن نرى أن الإحساس يثير الشهوة ، والقوة الشهوانية لا تنفعل عن المحسوس من حيث هو محسوس « 1 » ، فإن انفعل لا من حيث هو محسوس لم يكن الانفعال الذي يكون لشهوة ذلك المحسوس ، فيجب لا محالة أن يكون هو الذي يحس . وليس يجوز أن تكون القوتان واحدة ، فبين أن القوتين لشئ واحد ، فلهذا يصدق أن نقول : إنا لما أحسنا اشتهينا ، أو لما رأينا كذا غضبنا « 2 » . وهذا الشئ الواحد الذي تجتمع فيه هذه القوى هو الشئ الذي يراه كل منا أنه ذاته ، حتى يصدق أن نقول لما أحسسنا اشتهينا . وهذا الشئ لا يجوز أن يكون جسما : أما أولا ، فلأن الجسم بما هو جسم ليس يلزمه أن يكون مجمع هذه
--> ( 1 ) - بل الحاس ينفعل عن المحسوس . ( 2 ) - قال الفخر في ص 406 ج 2 من المباحث المشرقية في تقرير هذه الحجة : « إنّ هذه القوى تارة تكون متعاونة على الفعل وتارة تكون متدافعة . أما المعاونة فلأنا نقول : متى أحسسنا الشئ الفلاني اشتهينا أو غضبنا . وأما المدافعة فلأنا إذا توجهنا إلى التفكر اختلّ الحس أو إلى الحس اختل الغضب أو الشهوة . وإذا ثبت ذلك فنقول لولا وجود شئ مشترك لهذه القوى يكون كالمدبّر لها بأسرها لامتنع وجود المعاونة والمدافعة لأن فعل كل قوة إذا لم يكن له اتصال بالقوة الأخرى وليست الآلة مشتركة بل لكل واحد منها آلة مخصوصة وجب أن لا يحصل بينها هذه الممانعة والمعاونة » .