أبو علي سينا
336
النفس من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )
أخرى ، فإذا نظر إليها تمثّلث فيه ، وإذا أعرض عنها لم تتمثل ، فتكون النفس كمرآة وهي كأشياء خارجة ، فتارة تلوح فيها وتارة لا تلوح ، وذلك بحسب نسب تكون بين النفس وبينها . أو يكون المبدأ الفعال يفيض على النفس صورة بعد صورة بحسب طلب النفس ، وأن يكون إذا أعرضت عنه انقطع الفيض . فإن كان هذا هكذا فلم لا تحتاج كل كرّة إلى تعلّم من رأس . فنقول : إن الحق هو القسم الآخر ، وذلك أنه من المحال أن نقول إن هذه الصورة موجودة في النفس بالفعل التام ولا تعقلها بالفعل التام ، إذ ليس معنى أنها تعقلها إلا أن الصورة موجودة فيها ، ومحال أن يكون البدن لها خزانة ، ومحال أن تكون ذاتها خزانتها ، إذ ليس كونها خزانة لها إلا أن تلك الصورة معقولة موجودة فيها وبهذا تعلقها . وليس كذلك الذكر والمصورة ، فان إدراك هذه الصورة ليس لهما ، بل حفظها فقط ، وإنما إدراكها بقوّة أخرى ، وليس وجود الصورة المذكورة والمتصورة في شئ هو إدراك ، كما ليس وجود صورة المحسوسات في الشئ هو حس ، ولذلك ليست الأجسام وفيها صورة المحسوسات بمدركة ، بل الإدراك يحتاج أن يكون لما من شأنه أن ينطبع بتلك الصورة انطباعا مّا بما هو قوة مدركة . وأما الذكر والمصورة فإنما تنطبع فيهما الصور بما هي آلة ولها جسم يحفظ تلك الصور قريبا من حامل القوة الدرّاكة وهي الوهم حتى ينظر إليها متى شاء ، كما يحفظ الصور المحسوسة قريبا من الحس ليتأملها الحس متى شاء . فهذا التأويل يحتمله الذكر والمصورة ولا تحتمله النفس ، فإن وجود الصورة المعقولة في النفس هو نفس إدراكها لها ، وأيضا سنبين بعد في