أبو علي سينا

13

الإلهيات من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )

تسمع تارة أنّ الحكمة هي أفضل علم بأفضل معلوم ، وأخرى أنّ الحكمة هي المعرفة التي هي أصحّ معرفة وأتقنها ، وأخرى أنّها العلم بالأسباب الأولى للكلّ . وكنت لا تعرف ما هذه الفلسفة الأولى ، وما هذه الحكمة ، وهل الحدود والصفات الثلاث لصناعة واحدة ، أو لصناعات مختلفة كلّ واحدة منها تسمّى حكمة . ونحن نبيّن لك الآن أنّ هذا العلم الذي نحن بسبيله هو الفلسفة الأولى ، وأنّه الحكمة المطلقة ، وأنّ الصفات الثلاث التي رسم ( ترسم - خ ) بها الحكمة هي صفات صناعة واحدة ، وهي هذه الصناعة . وقد علم أنّ لكلّ علم موضوعا يخصّه ، فلنبحث الآن عن الموضوع لهذا العلم ، ما هو ؟ ولننظر هل الموضوع لهذا العلم هو إنّية اللّه تعالى جدّه ، أوليس ذلك ( كذلك - خ ) بل هو شيء من مطالب هذا العلم ؟ فنقول : إنّه لا يجوز أن يكون ذلك هو الموضوع ، وذلك لأنّ موضوع كلّ علم هو أمر مسلّم الوجود في ذلك العلم ، وإنما يبحث عن أحواله ، وقد علم هذا في مواضع أخرى . ووجود الإله تعالى جدّه لا يجوز أن يكون مسلّما في هذا العلم كالموضوع ، بل هو مطلوب فيه . وذلك لأنّه إن لم يكن كذلك لم يخل إمّا أن يكون مسلّما في هذا العلم ومطلوبا في علم آخر ، وإمّا أن يكون مسلّما في هذا العلم وغير مطلوب في علم آخر ، وكلا الوجهين باطلان . وذلك لأنّه لا يجوز أن يكون مطلوبا في علم آخر ، لأنّ العلوم الأخرى إمّا خلقية أو سياسية ، وإمّا طبيعية ، وإمّا رياضية ، وإمّا منطقية . وليس في العلوم الحكمية علم خارج عن هذه القسمة ، وليس ولا في شيء منها يبحث عن إثبات الإله تعالى جدّه ، ولا يجوز أن يكون ذلك . وأنت تعرف هذا بأدنى تأمّل لأصول تكرّرت عليك . ولا يجوز أيضا أن يكون