أبو علي سينا
14
الإلهيات من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )
غير مطلوب في علم آخر لأنّه يكون حينئذ غير مطلوب ألبتّة . فيكون إمّا بيّنا بنفسه ، وإمّا مأيوسا عن بيانه بالنظر ، وليس بيّنا بنفسه ولا مأيوسا عن بيانه ، فإنّ عليه دليلا . ثم المأيوس عن بيانه كيف يصحّ تسليم وجوده ؟ فبقي أنّ البحث عنه أنّما هو في هذا العلم . ويكون البحث عنه على وجهين : أحدهما البحث عنه من جهة وجوده ، والآخر من جهة صفاته . وإذا كان البحث عن وجوده في هذا العلم ، لم يجز أن يكون موضوع هذا العلم ، فإنّه ليس على علم من العلوم إثبات موضوعه ، وسنبين لك عن قريب أيضا أن البحث عن وجوده لا يجوز أن يكون إلّا في هذا العلم ، إذ قد تبيّن لك من حال هذا العلم أنه بحث عن المفارقات للمادة أصلا . وقد لاح لك في الطبيعيات أن الإله غير جسم ، ولا قوة جسم ، بل هو واحد بريء عن المادة ، وعن مخالطة الحركة من كل جهة « 1 » . فيجب أن يكون البحث عنه لهذا العلم . والذي لاح لك من ذلك « 2 » في الطبيعيات كان غريبا عن الطبيعيات ، ومستعملا فيها منه ما ليس منها ، إلّا أنّه أريد بذلك أن يعجّل للإنسان الوقوف على إنية المبدأ الأوّل فتتمكّن منه الرغبة في اقتباس العلوم ، والانسياق إلى المقام الذي هناك ليتوصّل إلى معرفته بالحقيقة . ولمّا لم يكن بدّ من أن يكون لهذا العلم موضوع وتبيّن لك أنّ الذي يظن أنّه هو موضوعه ليس بموضوعه ، فلننظر : هل موضوعه الأسباب القصوى للموجودات كلّها أربعتها الّا واحدا منها
--> ( 1 ) - أي بالذات وبالعرض . ( 2 ) - أي من الإلهي .