سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
49
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
ثم ظهرت حادثة المهدي السوداني ، « محمد أحمد » وأخذ أمره في الاستفحال واتسع منه لإنجلترا مجال المداخلة في شؤون مصر ، بحجة قمع ثورة المهدى السوداني . فكتب جمال الدين في العروة مقالات يحذر بها الإنجليز ويلفت نظر كبير وزرائهم إذ ذاك « المستر غلادسون » إلا سوء مصير « الجنرال غوردون » ، واستحالة نجاح مقصد الإنجليز بتلك الوسلية وأمثالها وأثبت ذلك بحجج قاطعة وبراهين ساطعة . وسيأتي ذكر ذلك تحت عنوان « عبرة وذكرى » . وقد ثابر جمال الدين على الكتابة في مسألة السودان معددا خطيئات بريطانيا ووزرائها ، مفندا لأقوال اللورد « غرانفيل » وحجج « المستر غلادستون » ومبينا مسيء المصير ، من انتهاج تلك السياسة في مصر والسودان ، كاشفا مساتير السياسة - مما أقام أكابر رجال السياسة في العالم وأقعدهم ، واضطربت لها أندية « لندرا » خاصة . فاضطر اللورد « ساليسبوري » و « شرشل » أن يستدعيا جمال الدين ليسألاه رأيه في « المهدي » وظهوره إذ ذاك ، فشخص إلى لندن واجتمع بهما ، وهناك أفاض بتوضيح الغوامض وأطلعها على مواقع الخطأ في سياسة إنجلترا خصوصا نحو دول الإسلام في الشرق وما تتبعه في مصر ، كل ذلك بحجج قاطعة ولهجة شديدة ملؤها الإخلاص . وبعد أخذ ورد ، اختصر « اللورد ساليسبوري » الحديث ورام تقريب البعيد ، فقال لجمال الدين : « إن بريطانيا تعلم مقدرتك ، ونحن نقدر رأيك قدره ونحب أن نسير مع حكومات الإسلام ، بمودة وولاء ، على قدر ما تسمح لنا به الظروف والأحوال ، لذلك تصورنا أن نرسلك إلى السودان بصفة سلطان عليه ، فتستأصل جذور فتنة المهدي وتمهد السبيل لإصلاحات بريطانيا فيه . . . » . فقال جمال الدين : « تكليف غريب ، وسفه في السياسة ما بعده ، اسمح لي يا حضرة اللورد أن أسالك هل تملكون السودان حتى تريدوا أن تبعثوا إليه بسلطان ؟