سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
38
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
وتحظر عليه عمل الشر مع أي كان . أما وإذا انحرفت وتحرفت هذه السلطة المعنوية عن مواضعها واختل جوهر وضعها الأصلي ، وجب عندئذ الوقوف تجاهها ، والعمل بكل قوة لإرجاعها لأصلها » . ثم قال : « إذا سار الدين في غايته الشريفة حمدته السلطة الزمنية بلا شك ، وإذا سارت السلطة الزمنية في الغاية المقصودة منها وهي « العدل المطلق » فالسلطة الروحية حمدتها وشكرتها بلا ريب . ولا تتنافر هاتان السلطتان إلا إذا خرجتا عن المحور اللازم لها والموضوعة لأجله » . هذه آخر كلمات قالها جمال الدين وفارق على أثرها « الأستانة » فحمله بعض من كان معه على التحول إلى مصر ، فجاء إليها في أول محرم سنة ( 1288 ه - 22 مارس 1871 م ) . مال السيد جمال الدين إلى مصر على قصد التفرج بما يراه من مناظرها ومظاهرها ولم تكن له عزيمة على الإقامة بها حتى لاقى صاحب الدولة « رياض باشا » فاستمالته مساعيه إلى المقام وأجرت عليه الحكومة راتبا مقداره ألف قرش مصري كل شهر ، نزلًا أكرمته به ، لا في مقابلة عمل ، واهتدى إليه بعد الإقامة كثير من طلبة العلم واستوروا زنده فأورى واستفاضوا بحره فأفاض درا وحملوه على التدريس ، فقرأ من الكتب العلمية في فنون الكلام الأعلى والحكمة النظرية ، طبيعية وعقلية ، وفي علم الهيئة الفلكية وعلم التصرف وعلم أصول الفقه الإسلامي وكانت مدرسته بيته ، من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم - ولم يذهب إلى « الأزهر » مدرسا ولا يوما واحدا - نعم كان يذهب إليه زائرا ، وأغلب ما كان يزوره يوم الجمعة . عظم أمر الرجل في نفوس طلاب العلوم واستجزلوا فوائد الأخذ عنه وأعجبوا بدينه وأدبه ، وانطلقت الألسن بالثناء عليه وانتشر صيته في الديار المصرية ، ثم وجه عنايته لحل عقل الأوهام عن قوائم العقول ، فنشطت لذلك ألباب واستضاءت بصائر ، وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية ، فاشتغلوا على نظره وبرعوا وتقدم فن الكتابة في مصر بسعيه وكان القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة منحصرين في عدد قليل .