سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
39
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
فنبغ في القطر المصري من تلامذته ، كتبة لا يشق غبارهم ولا يوطأ مضمارهم وأغلبهم أحداث في السن شيوخ في الصناعة وما منهم إلا من أخذ عنه ، أو عن أحد تلامذته ، أو قلد المتصلين به ومنكر ذلك مكابر ، وللحق مدابر . هذا ما حسده عليه أقوام واتخذوا سبيلا للطعن عليه من قراءته بعض الكتب الفلسفية ، أخذ بقول جماعة من المتأخرين في تحريم النظر فيها ، على أن القائلين بهذا القول ، لم يطلقوه بل قيدوه بضعفاء العقول قصار النظر ؛ خشية على عقائدهم من الزيغ . أما الثابتون في إيمانهم فلهم النظر في علوم الأولين والآخرين ، من موافقين لمذهبهم أو مخالفين ، فلا يزيدهم ذلك إلا بصيرة في دينهم ، وقوة في يقينهم ولنا في أئمة الملة الإسلامية ، ألف حجة تقوم على ما نقول . ولكن تمكن الحاسدون من نسبة ما أودعته كتب الفلاسفة إلى رأي هذا الرجل وأذاعوا ذلك بين العامة ، ثم أيده أخلاط من الناس ، من مذاهب مختلفة كانوا يطرقون مجلسه ، فيسمعون ما لا يفهمون ، ثم يحرفون في النقل عنه ولا يشعرون ، غير أن هذا كله لم يؤثر في مقام الرجل من نفوس العقلاء العارفين بحاله . ولم يزل شأنه في ارتفاع والقلوب عليه في اجتماع ، إلى أن تولي خديوية مصر المرحوم « توفيق باشا » وكان السيد من المؤيدين لمقاصده ، الناشرين لمحامده ، والساعين لتأليف القلوب عليه . * * * ولما كان جمال الدين ميالا بفطرته إلى السياسة ، عالما في دقائقها ، فقد نظر إلى حال مصر نظر الحكيم المدقق ورأى ما آلت إليه من تدخل أجنبي وتفاقم أمره يوما فيوم ، فعلم أن لابد من تغير أحوالها ، وكان قد انتظم في سلك « الجمعية الماسونية » وتبنى في « المحفل الأسكتلندي » ! أما انخراط جمال الدين في الماسونية وما أحدثه وجوده فيها ، إذ كان عاملا في بدء أمره وقبل أن يصير من الرؤساء - فنختصره على قدر ما تسمح به الطريقة