سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
36
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
المحاكمة وأخذت منه الحدة مبلغها ، وأكثرت الجرائد من القول في المسألة فمنها نصراء للسيد جمالالدين ومنها أعوان لشيخ الإسلام ، فأشار بعض أصحاب السيد عليه ، أن يلزم السكون ، ويغضي على الكريهة ، وأن طول الزمن يتكفل باضمحلال الإشاعات وضعف أثرها ، فلم يقبل وألحّ في طلب المخاصمة . فعظم الأمر لدرجة خشي معها الصدر الأعظم على حياته وحياة وحياة جمال الدين معا فأصدر أمره إليه « مكرها » بالجلاء عن الأستانة بضعة أشهر حتى تسكن الخواطر ويهدأ الاضطراب ، ثم يعود إن شاء ، معترفا « عالي باشا » له بفضله ، آسفا على انحطاط أهل الجمود عن فهم الحقائق ، عالما أن حركة « حسن فهمي أفندي » في مقاومة جمال الدين إن هي إلا مقاومة ل « عالي باشا » الذي نظر لجمال الدين نظرة كان يرجو معها أن يحله محل شيخ الإسلام لو سمعح استعداد المحيط وقابلية القوم إذ ذاك ، ولكن دهاء « حسن فهمي أفندي » أحبط مسعى « عالي باشا » فأهاج رأي « السفطاء » طلبة العلم واستهوى العوام من أهل الجمود ، حتى أكره الصدر الأعظم على إصدار أمر جلاء جمال الدين عن الأستانة كما سبق . أما السيد ، ففي آخر يوم اضطر فيه أن يبارح الأستانة منفيا ، أتاه عدة أفراد من العلماء المتنورين يعلنون له أسفهم وعدم رضاهم عن خطة شيخ الإسلام ، حتى أن أحدهم وهو من كبار المدرسين اشتط في خطابه وتجاوز في الطعن على « حسن فهمي أفندي » وأعوانه إلى مامس كرامة الدين . فوقف عند ذلك جمال الدين غضبان وقال [ 1 ] : « ليس من خطأ أراه أكبر من مس كرامة دين لمجرد عمل يأتيه فرد من تابعي ذلك الدين ، وأعتقد أن الهيئة البشرية لا يمكنها أن تستغني عن سلطتين : زمنية وروحية . كلتا السلطتين ترمي إلى غاية واحدة في الجوهر والأصل . نعم يمكن أن يطرأ على إحداهما خلل ليس في أصل الوضع فهذا الخلل يجب العمل على إصلاحه والوقوف بوجه من أخل وإرغامه على الرجوع إلى الأصل » .
--> [ 1 ] - هذه الشذرة من هذا الكتاب « خاطرات جمال الدين » نشرت في جريدة لسان الحان تحت عنوان « جمال الدين وأهل الدين » وتناقلتها بقية الصحف .