سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

348

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

ثم قالوا : وفي مقدمتهم « أبيقور الدهري » وأتباعه الدهريون « ردا على القول إن الإنسان أشرف المخلوقات » ما بال الإنسان معجب بنفسه مغرور بشأنه ، يظن أن الكون العظيم إنما خلق لوجوده الناقص ويزعهم أنه أشرف المخلوقات وأنه العلة الغائية لجميع المكونات ! وأن الإنسان من جنونه - على زعمهم - اعتقاده أن له عوالم روحانية نورانية ومعاهد قدسية ينقل إليها بعد الموت ويتمتع فيها بسعادة لا يشوبها شقاء ، ولذة لا يخالطها كدر ، ولهذا قيد نفسه بسلاسل كثيرة من التكاليف ، مخالفا نظام الطبيعة العادل وسد في وجه رغبته أبواب اللذائذ الطبيعية وحرم حسه كثيرا من الحظوظ الفطرية ، مع أنه لايمتاز عن سائر الحيوانات بمزية من المزايا ولا في شأن من الشؤون ، بل هو أدنى وأسفل من جميعها في جبلّته وأنقص من كلها في فطرته وما يفتخر به من الصنائع ، فإنما أخذه بالتقليد عن سائر الحيوانات فالنسج - مثلا - نقله عن العنكبوت ، والبناء استنّ فيه بسنة النحل ورفع القصور وإنشاء الصوامع ، أخذ فيه مأخذ النمل الأبيض ، وادخار الأقوات حذا فيه حذو جنس النمل وتعلم الموسيقى من البلبل ! وعلى ذلك بقية الصنائع ، إلى أن يقولوا : إذا كان هذا شأن الإنسان من النقص عن الحيوانات ، فالأولى أن لا يغتر بأن في الآخرة ثوابا وعقابا ويحرم نفسه في هذه الدنيا من حظوظ اللذة ويقيد نفسه بأوهام ! الحلال والحرام واللائق وغير اللائق والحياء والصدق والأمانة وغيرها من الأمور الوضعية التي تقيد بها الناس جهلا ولم يتقيد بها الحيوان والبهم ، إلي آخر ما هناك من الأضاليل والأباطيل التي تجعل بمقتضى أصول مذهبهم ، أدنى إليهم من الحيوانات أفضل من الإنسان . وقد أفاض الحكيم المرحوم ، السيد جمال الدين بتفنيد جميع تلك الأباطيل بمقدمات صادقة وبراهين ساطعة ، منها وجوب الاعتقاد باللَّه وبالثواب والعقاب ومنافع ذلك للبشر قال : إن كل فرد من نوع الإنسان ، قد أودع بحسب فطرته وبناء بنيته شروراً كثيرة وشهوات عديدة ، تميل به إلى مشتهيات ، فإذا قام كل فرد لدفع الشر عنه بقوة ساعده أو سلاحه أو الأقران بدفع شرور أقرانهم فنى عمر الجميع بالدفاع وما كان لهم من الوقت متسع لغير عمل ، وإن قيل إن قوة الحكومة بقوانينها تعمل لصون الأفراد ، قلنا إن قوة الحكومة إنما تأتي على كف العدوان الظاهر ورفع