سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
318
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
فكره على درجته من الجودة والسقم ، وإن العقلاء في كثير من أصقاعه يتفكرون في جعل القوى المتفرقة قوة واحدة يمكن لها القيام بحقوق الكل . بلى كان هذا الأمر ينتظره المستبصرون وإن عمي عنه الطامع وليس في الإمكان إقناع الطامعين بالبرهان ولكن ما يأتي به الزمان على عاداته في أبنائه ، بل ما يجري به القضاء الإلهي من سنة اللَّه في خلقه ، سيكشف لهم وهمهم فيما كانوا يظنون . بلغ الإجحاف بالشرقيين غايته ووصل العدوان فيهم نهايته وأدرك المتغلب منهم نكايته خصوصا في المسلمين منهم فمنهم ملوك أنزلوا عن عروشهم جورا وذوو حقوق في الإمرة حرموا حقوقهم ظلما ، وأغنياء أمسوا فقراء . . . إلخ . . . حتى لم تبق طبقة من الطبقات إلا وقد مسها الضر من إفراط الطامعين في أطماعهم ، ها هي الحوادث التي بذرت بذورها في الأراضي المصرية بأيدي ذوى المطامع فيها ، حملوا إلى البلاد ما لا تعرفه فدهشت عقولها وشدوا عليها بما لا تألفه فحارت ألبابها وألزموها ما ليس في قدرتها فاستعصت عليه قواها وخفضوا من شوكة الوازع تحت اسم العدالة ، ليهيئوا بكل ذلك وسيلة لنيل المطمع ، فكانت الحركة العرابية العشواء فاتخذوها ذريعة لما كانوا له طالبين فاندفع بهم سيل المصاعب بل طوفان المصائب على تلك البلاد وظنوا بلوغ الإرب ولكن أخطأ الظن وهمّوا بما لم ينالوا . لم تكد تخمد تلك الحرية في بادئ النظر حتى خلفها حركة أخرى وفتح باب كان مسدودا وقام قائم بدعوة لها المكانة الأولى في نفوس المسلمين - دعوة المهدية - والمهدي فإن خمدت هذه - وستخمد - ستعقبها من الحركات في مستقبل الأيام ما لا يمكن إخمادها وتعميمهم الحيرة فيعجزون عن تلافيها ! نعم إنهم غرسوا في مصر غرسا إلا أنهم سيجنون منه حنظلا ويطعمون منه زقوما ، لا جرم هذه هي العواقب التي لا محيص عنها لمن يغالي في طمعه ويغلغل في حرصه ، ولو أنهم تركوا البلاد لأهلها وفوضوا تدارك كل حادث للخبراء والقادرين عليه ، العارفين بطرق مدافعته به أو اقتناء فائدته لحفظوا بذلك مصالحهم ونالوا ما كانوا يشتهون من المنافع الوافرة بدون أن تزلّ بهم القدم .