سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

319

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

غير أنهم ركبوا الشطط وغرهم ما وجدوا من تفرق الكلمة وتشتت الأهواء وهو أنفذ عواملهم وأقتلها وما علموا أنه وإن كان ذريع الفتك إلا أنه سريع العطب وما أسرع أن يتحول عند اشتداد الخطوب إلى عامل وحدة يسدد لقلوب المعتمدين ، فإن بلاء الجور إذا حل بشطر من الأمة وعوفي منه باقيها كانت سلامة البعض تعزية للمصابين وحجاب غفلة للمسالمين يحول بينهم وبين الإحساس بما أصاب إخوانهم أما إذا عم الضرر فلا محالة يحيط بهم الضجر ويعز عليهم الصبر ، فيندفعون إلى ما فيه خيرهم ولا خير فيه لغيرهم . إن الحالة السيئة التي أصبحت فيها الديار المصرية لم يسهل احتمالها على نفوس المسلمين عموما ، إن مصر تعتبر عندهم من الأراضي المقدسة ولها في قلوبهم منزلة لا يحلها سواها ، نظرا لموقعها من الممالك الإسلامية ولأنها باب الحرمين الشريفين ، فإن كان هذا الباب أمينا ، كانت خواطر المسلمين مطمئنة على تلك البقاع وإلا اضطربت أفكارهم وكانوا في ريب من سلامة ركن عظيم من أركان الديانة الإسلامية . إن الخطر الذي ألمّ بمصر نغرت له أحشاء المسلمين وتكلمت به قلوبهم ولن تزال آلامه تستفزهم ما دام الجرح نغارا . وما هذا بغريب على المسلمين فإن رابطتهم الملية مع رابطة اللسان ، أقوى من روابط الجنسية ، وما دام القرآن يتلى بينهم ويعمل بأحكامه وفي آياته ما لا يذهب على إفهام قارئيه فلن يستطيع الدهر أن يذلّهم . إن الفجيعة بمصر ، حركت أشجانا كانت كامنة وجدد أحزانا لم تكن في الحسبان وسرى الألم في أرواح المسلمين سريان الاعتقاد في مداركهم وهم من تذكار الماضي ومراقبة الحاضر يتنفسون الصعداء ، ولا نأمن أن يصير التنفس زفيرا - بل نفيرا عاما - بل يكون صرخة تمزق مسامع من أصمَّه الطمع . إن أولى المتغلبين بالاحتراس من هذه العواقب ، جيل من الناس - الإنجليز - لاكتائب له في فتوحاته إلا المداهاة ولا فيالق يسوقها للاستملاك سوى المحاباة ولا أسنة يحفظ بها ما تمتد إليه يده إلا المراضاة ، يظهر بصور مختلفة الألوان متقاربة الأشكال . كحافظ عروش الملوك ! والمدافع عن ممالكهم ! ومثبت مراكز الأمراء ! ومسكن الفتن ! ومخلص الحكومات من غوائل العصيان ! وواقي مصالح المغلوبين ومؤمن حقوق الغربيين ! وحامي الأقليات . . . إلخ - مما سبق ذكره - فكان أول ما