سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
317
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
إن النفوس الإنسانية وإن بلغت من فساد الطبع والعادة ما بلغت إذا كثر عديدها تحت جامعة معروفة لا تحتمل الضيم إلا إلى حد يدخل تحت الطاقة ، ويسعه الإمكان ، فإذا تجاوز الاستطاعة ، كرت النفوس إلى قواها واستأسد ذئبها وتنمر ثعلبها والتمست خلاصها ولن تعدم عند الطلب رشادا . ربما تخطئ مرة فتكون عليها الدائرة ، لكن ما يصيبها من زلة الخطأ يلهمها تدارك ما فرط والاحتراس من الوقوع في مثله فتصيب أخرى فيكون لها الظفر والغلبة . وإن الحركة التي تنبعث لدفع ما لا يطاق إذا قام بتدبيرها قيّم عليها ومدبر لسيرها ، لا يكفي في توقيف سريانها أو محو آثارها قهر ذلك القيّم وإهلاك ذلك المدبر ، فإن العلة ما دامت موجودة لا تزال آثارها تصدر عنها فإن ذهب قيّم خلفه آخر أوسع منه خبرة وأنفذ بصيرة وأمضى عزما . نعم يمكن تخفيف الأثر ، أو إزالته بإزالة علته ورفع أسبابه . جرت عادة الأمم أن تأنف من الخضوع لمن يباينها في الأخلاق والعادات والمشارب ، وإن لم يكلفها بزائد عما كانت تؤديه لمن هو على شاكلتها ، فكيف بها إذا حملها ما لا طاقة لها به ؟ لا ريب أنها تستنكره وتستكبره وكلما أنكرته بعدت عن الميل إليه وكلما تباعدت منه لكونه غريبا تقرب بعضها من بعض ، فعند ذلك تستصغره فتلفظه كما تلفظ النواة ، وما كان ذلك بغريب ! إن مجاوزة الحد في تعميم الاعتداء تنسي الأمم ما بينها من الختلاف في الجنسية والمشرب فترى الاتحاد لدفع ما يعمها من الخطر ألزم من التحزب للجنس والمذهب ، وفي هذه الحالة تكون دعوة الطبيعة البشرية إلى لااتفاق أشد من دعوتها إليه للاشتراك في طلب المنفعة . أبعد هذا يأخذنا العجب إذا أحسسنا بحركة فكرية في أغلب أنحاء الشرق في هذه الأيام ؟ [ 1 ] ولسوف تقوى تلك الحركة ويتسع نطاقها كلما تمادى الطامع واستطال بقوته على هضم حقوق الشرقيين في عقر دارهم وضيّق عليهم ، فيطلب كل واحد خلاصا ، ويبغى نجاة وينتحل لذلك من الوسائل والأسباب ما يصل إليه
--> [ 1 ] - هذا المقال لجمال الدين ردده في الأستانة سنة 1311 ه وسنة 1894 م ، وكان سبق وقاله في باريس سنة 1301 ه سنة 1884 م .