سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
316
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
مصر باب الحرمين الشريفين قال : خفيت مذاهب الطامعين أزمانا ثم ظهرت وبدأت على طرق ربما لا تنكرها الأنفس ثم التوت . أوغل الأقوياء من الأمم في سيرهم بالضعفاء حتى تجاوزوا بيداء الفكر وسحروا ألبابهم حتى أذهلوهم عن أنفسهم ، وخرجوا بهم عن محيط النظر وبلغوا بهم من الضيم حدا لا تحتمله النفوس البشرية . ذهب أقوام إلى ما يسوله الوهم ويغري به شيطان الخيال ، فظنوا أن القوة الآلية وإن قل عمالها ، يدوم لها السلطان على الكثرة العددية وإن اتفقت آحادها ، بل زعوا أنه يمكن استهلاك الجم الغفير في النزر اليسير ! وهو زعم يأباه القياس بل يبطله البرهان ، فإن تقلبات الحوادث في الأزمان البعيدة والقريبة ناطقة بأنه إن جاز أن عشيرة قليلة العدد فنيت في سواد أمة عظيمة ونسيت تلك العشيرة اسمها ونسبتها فلم يجز في زمن من الأزمان إمحاء أمة أو ملة كبيرة بقوة أمة تماثلها في العدد أو تكون منها على نسبة متقاربة وإن بلغت القوة أقصى ما يتصوره الخيال ! والذي يحكم به العقل السليم ويشهد به سير الاجتماع الإنساني ، من يوم علم تاريخه إلى اليوم ، أن الأمم الكبيرة إذا عراها ضعف لافتراق في الكلمة أو غفلة عن عاقبة لا تحمد أو ركون إلى راحة لا تدوم أو افتتان بنعيم يزول ، ثم صالت عليها قوة أجنبية أزعجتها ونبهتها بعض التنبيه ، فإذا توالت عليها وخزات الحوادث وأقلقتها آلامها ، فزعت إلى استبقاء الموجود ورد المفقود ولم تجد بدا من طلب النجاة من أي سبيل ، وعند ذلك تحس بقوتها الحقيقية وهي ما تكون بالتئام أفرادها والتحام آحادها ، وإن الإلهام الإلهي والإحساس الفطري والتعليم الشرعي ، كل ذلك يرشدها إلى أن لا حاجة لها إلى ما وراء هذا الاتحاد وهو أيسر شيء عليها .