سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

301

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

ماذا سبق إلى أفهامهم من هذا اللفظ وماذا اتصل بعقولهم من معناه حتى خالوه مبدءا لكل شناعة ومصدرا لكل نقيصة وهل لهم وقوف على شيء من حقيقته . « التعصب » قيام بالعصبية والعصبية من المصادر النسبية نسبة إلى العصبة وهي قوم الرجل الذين يعززون قوته ويدفعون عنه الضيم والعداء فالتعصب وصف للنفس الإنسانية تصدر عنه نهضة لحماية من يتصل بها والذود عن حقه ووجوه الاتصال تابعة لأحكام النفس في معلوماتها ومعارفها . هذا الوصف هو الذي شكل اللَّه به الشعوب وأقام بناء الأمم وهو عقد الروابط في كل أمة ، بل هو قوة المزاج الصحيح - يوحد المتفرق منا تحت اسم واحد وينشئها بتقدير اللَّه خلقا واحدا ، كبدن تألف من أجزاء وعناصر تدبره روح واحدة فتكون كشخص يمتاز في أطواره وشؤونه وسعادته وشقائه ، عن الأشخاص . وهذه الوحدة هي مبعث المباراة بين أمة وأمة وقبيل وقبيل ومباهاة كل من الأمتين المتقابلتين بما يتوافر لها من أسباب الرفاهة وهناء العيش وما تجمعه قواها من وسائل العزة والمنعة وسمو المقام ونفاذ الكلمة ، والتنافس بين الأمم كالتنافس بين الأشخاص وهو أعظم باعث على بلوغ أقصى درجات الكمال في جميع لوازم الحياة بقدر ما تسعه الطاقة . التعصب روح كلي مهبطه هيئة الأمة وصورتها وسائر أرواح الأفراد حواسه ومشاعرها ، فإذا ألم بأحد المشاعر ما لا يلائمه من أجنبي عنه انفعل الروح الكلي وجاشت طبيعته لدفعه فهو لهذا مثار الحمية العامة ومسعر النعرة الجنسية ، هذا الذي يرفع نفوس آحاد الأمة عن معاطاة الدنايا وارتكاب الخيانات فيما يعود على الأمة بضرر أو يؤول بها إلى سوء العاقبة وأن استقامة الطباع ورسوخ الفضيلة في أمة ، تكون على حسب درجة التعصب فيها ، والالتحام بين أفرادها يكون كل منهم بمنزلة عضو سليم في بدن حي ، لا يجد الرأس غنى بارتفاعه عن القدم ولا يرى القدمين في تطرفهما انحطاط في رتبة الوجود وإنما كل يرى ويجد ويعمل وظائفه لحفظ البدن وبقائه .