سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
302
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
كلما ضعفت قوة الربط بين أفراد الأمة بضعف التعصب فيهم استرخت الأعصاب ورثت الأطناب ورقت الأوتار وتداعى بناء الأمة إلى الانحلال كما يتداعى بناء البينة البدنية إلى الفناء ، بعد هذا يموت الروح الكلي وتبطل هيئة الأمة وإن بقيت آحادها فما هي كالأجزاء المتناثرة إما تتصل بأبدان أخرى بحكم ضرورة الكون وإما أن تبقى في قبضة الموت إلى أن ينفخ فيها روح النشأة الآخرة . سنة اللَّه في خلقه إذا ضعفت العصبية في قوم رماهم بالفشل وغفل بعضهم عن بعض وأعقب الغفلة تقطع في الروابط وتبعه بقاطع وتدابر فيتسع للأجانب والعناصر الغريبة مجال التداخل فيهم ، ولن تقوم لهم قائمة من بعد حتى يعيدهم اللَّه كما بدأهم بإفاضتهم روح التعصب في نشأة ثانية . نعم إن التعصب وصف كسائر الأوصاف له حد اعتدال وطرف إفراط وتفريط ، واعتداله هو الكمال الذي بينا مزاياه والتفريط فيه هو النقص الذي أشرنا إلى رزاياه والإفراط فيه مذمة تبعث على الجور والاعتداء . فالمفرط في تعصبه يدافع عن الملتحم به بحق وبغير حق ويرى عصبته منفردة باستحقاق الكرامة وينظر إلى الأجنبي عنه كما ينظر إلى الهمل من السوائم لا يعترف له بحق ولا يرعى له ذمة ، فيخرج بذلك عن جادة العدل فتنقلب منفعة التعصب إلى مضرة ويذهب بهاء الأمة بل يتقوض مجدها . فإن العدل قوام الاجتماع الإنساني وبه حياة الأمم وكل قوة لا تخضع للعدل فمصيرها إلى الزوال وهذا الحد من الإفراط في التعصب هو الممقوت على لسان الشارع صلى الله عليه وآله في قوله « ليس منا من دعا إلى عصبية » الحديث . التعصب كما يطلق ويراد منه النعرة على الجنس مرجعها رابطة النسب والاجتماع في منبت واحد ، كذلك توسع أهل العرف فيه فأطلقوه على قيام الملتحمين بصلة الدين لمناصرة بعضهم بعضا والمتنطعون والمغفلون من المتفرنجين يخصون هذا النوع من التعصب بالمقت ويرمونه بالذم ، ولا نخال مذهبهم هذا مذهب العقل أو يتفق مع الحزم فإن لحمة يصير بها المتفرقون إلى وحدة تنبعث عنها قوة لدفع الغائلات وكسب الكمالات لا يختلف شأنها ولا فرق أصلا إذا كان مرجعها الدين أو كان مرجعها النسب ، وقد كان من تقدير العزيز العليم وجود الرابطتين في أقوام مختلفة من البشر وعن كل منها صدرت في العالم آثار جليلة