سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
264
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
فما الحيلة ؟ وما الوسيلة ؟ « فالجرائد » بعيدة الفائدة ، ضعيفة الأثر لو صحت الضمائر فيها و « العلوم الجديدة » ونقلها « بالناشئة » لسوء استعمالها رأينا ما رأينا من آثارها والوقت ضيق ! ! والخطب شديد ! ! أي جهوري من الأصوات يوقظ الراقدين على حشايا الغفلات ؟ ! أي قاصفة تزعج الطباع الجامدة وتحرك الأفكار الخامدة ! أي نفخة تبعث هذه الأرواح في أجسادها وتحشرها إلى مواقف صلاحها وفلاحها . الأقطار فسيحة الجوانب ، بعيدة المناكب ، المواصلات عسرة بين الشرقي والغربي والجنوبي والشمالي ، الرؤوس مطرقة إلى ما تحت القدم أو منفضّة إلى ما فوق السماء ، ليس للأبصار جولان إلى الأمام والخلف واليمين والمشال ولا للأسماع إصغاء ولا للنفوس رغبات ، ولكن للأهواء تحكم وللوساوس سلطان ؟ ! ماذا يصنع المشفقون على الأمة والزمن قصير ؟ ! ماذا يحاولون والأخطار محدقة بهم ؟ ! بأي سبب يتمكنون ورسل المنايا على أبوابهم ؟ ! لا أطيل بحثا ولا أذهب بك في مجالات بعيدة من البيان ولكني استلفت نظرك إلى سبب يجمع الأسباب ووسيلة تحيط بالوسائل - وقد مر ذكرها معنا فيما سبق - أرسل فكرك إلى نشأة الأمة التي خملت بعد النباهة وضعفت بعد القوة واسترقت بعد السيادة وضيمت بعد المنعة واطلب أسباب نهوضها الأول حتى تتبين مضارب الخلل وجراثيم العلل فقد يكون ما جمع كلمتها وأنهض همم آحادها ولحم ما بين أفرادها وصعد بها إلى مكانة تشرف منها على رؤوس الأمم وتسوسهم وهي في مقامها بدقيق حكمتها إنما هو : دين قويم الأصول محكم القواعد ، شامل لأنواع الحكم ، باعث على الألفة ، داع إلى المحبة ، مزك للنفوس ، مطهّر للقلوب من أدران الخسائس ، منوّر للعقول بإشراق الحق من مطالع قضاياه كافل لكل ما يحتاج إليه الإنسان من مباني الاجتماعات البشرية وحافظ وجودها ويتأدّى بمعتقديه إلى جميع فروع المدنية . فإن كانت هذه شرعة تلك الأمة ولها وردت وعنها صدرت ، فما تراه من عارض خللها وهبوطها عن مكانتها إنما يكون من طرح تلك الأصول ونبذها ظهريا