سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

265

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

وحدوث بدع ليست منها في شئ أقامها المعتقدون مقام الأصول الثابتة وأعرضوا عما يرشد إليه‌الدين وعما أتى لأجله وما أعدته الحكمة الإلهية له حتى لم يبق منه إلا أسماء تذكر وعبارات تقرأ مجردة فتكون هذه المحدثات حجابا بين الأمة وبين الحق الذي تشعر بندائه أحيانا بين جوانحها . فعلاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته وإرشاد العامة بالمواعظ الوافية بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق وإيقاد نيران الغيرة وجمع الكلمة وبيع الأرواح لشرف الأمة ولا سبيل لليأس والقنوط فإن جراثيم الدين متأصلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة والقلوب مطمئنة إليه وفي زواياها نور خفي من محبته ، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسري نفسها في جميع الأرواح لأقرب وقت . فإذا قاموا لشئونهم ووضعوا أقدامهم على طريق نجاحهم وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم ، فلا يعجزهم أن يبلغوا في سيرهم منتهى الكمال الإنساني ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه ، فقد ركب بها شططا وجعل النهاية بداية وانعكست التربية وانعكس فيها نظام الوجود فينعكس عليه القصد ولا يزيد الأمة إلا نحسا ولا يكسبها ألا تعسا . من يعجب من قولي إن الأصول الدينية الحقة ، المبرأة عن محدثات البدع ، تنشىء للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل وتفضيل الشرف على لذة الحياة وتبعثها على اقتناء الفضائل وتوسيع دائرة المعارف وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية فإن عجبي من عجبه أشد ، ودونك تاريخ الأمة العربية وما كانت عليه قبل بعثة الدين من الهمجية والشتات وإتيان الدنايا والمنكرات ، حتى جاءها الدين فوحّدها وقواها وهذبها ونوّر عقلها وقوّم أخلاقها وسدد أحكامها فسادت على العالم وساست من تولته بسياسة العدل والإنصاف وبعد أن كانت عقول أبنائها في غفلة عن لوازم المدنية ومقتضياتها ، نبّهتها شريعتها وآيات دينها إلى طلب الفنون المتنوعة والتبحر فيها ونقلوا إلى ديارهم طب بقراط وجالينوس وهندسة إقليدس وهيئتة بطلميوس وحكمة أفلاطون وأرسطو وما كانوا قبل الدين في شئ من هذا .