سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
263
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
أعراض الزينة مما يروق منظره ولا يحمد أثره فأماتوا أرباب الصنائع من قومهم وأهلكوا العاملين في المهن ، لعدم اقتدارهم أن يقوموا بكل ما تستدعيه تلك العلوم الجديدة من الحاجيات الجديدة ، وأيديهم لم تتعود على الصنع الجديد وثروتهم لا تسع جلب الآلات الجديدة من البلاد البعيدة . وهذا جدع لأنف الأمة يشوه وجهها ويحط بشأنها ، وما كان هذا إلا لأن تلك العلوم وضعت فيهم على غير أساسها وفاجأتهم قبل أوانها . علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين من كل أمة ، المنتحلين أطوار غيرها يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها وتكون مداركهم مهابط الوساوس ومخازن الدسائس ، بل يكونون بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلدوهم واحتقار من لم يكن على مثالهم شؤما على أبناء أمتهم يذلونهم ويحقرون أمرهم ويستهينون بجميع أعمالهم وإن جلّت ، وإن بقي في بعض رجال الأمة بقية من الشمم أو نزوع إلى معالي الهمم انصبوا عليه وأرغموا من أنفه حتى يمحى أثر الشهامة وتخمد حرارة الغيرة ويصير أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات يمهدون لهم السبل ويفتحون الأبواب ثم يثبتون أقدامهم ويمكنون سلطتهم ، ذلك بأنهم لا يعلمون فضلًا لغيرهم ولا يظنون أن قوة تغالب قواهم . ولا أخشى لوما إذا قلت لو كان في البلاد الأفغانية عدد قليل من تلك الطلائع عندما تغلّب الإنجليز على بعض أراضيها ، لما بارحوها أبد الآبدين لأن نتيجة العلم عند هؤلاء « الناشئة المقلّدين » ليست إلا توطيد المسالك والركون إلى قوة مقليدهم واستقبال مشارق فنونهم فيبالغون في تطمين النفوس وتسكين القلوب ، حتى يزيلوا الوحشة التي قد يصون بها الناس حقوقهم ويحفظون بها استقلالهم ، ولهذا متى طرق الأجانب أرضا لأية أمة ، ترى هؤلاء المتعلمين فيها أول ما يقبلون عليهم ويعرضون أنفسهم لخدمتهم بعد الاستبشار بقدومهم ويكونون بطانة لهم ومواضع ثقتهم - كأنما هم منهم - ويعدون الغلبة الأجنبية في بلادهم - أعظم بركة عليهم وعلى أعقابهم .