سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

262

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

الأمة منزلة الآلة المحللة يشتتون بقية الجمع ويبددون أخريات الالتئام ، إن كان الفساد أبقى للقوم بعض الروابط فهؤلاء المغرورون يصدمونهم بما يذهلهم عنها وربما لا يقصدون إلا خيرا إن كانوا من المخلصين ويوسعون بذلك الخروق حتى تعود أبوابا ويباعدون ما بين الضفاف حتى تصير ميادين لتداخل الأجانب فيهم تحت اسم النصحاء وعنوان المصلحين وطلاب الإصلاح ويذهبون بأمتهم إلى الفناء والاضمحلال وبئس المصير . شيد العثمانيون والمصريون ، عددا من المدارس على النمط الجديد وبعثوا بطوائف من شبانهم إلى البلاد الغربية ؛ ليحملوا إليهم ما يحتاجون له من العلوم والمعارف والصنائع والآداب وكل ما يسمونه « تمدنا » وهو في الحقيقة « تمدن » للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني ! هل انتفع المصريون والعثمانيون بما قدموا لأنفسهم من ذلك ؟ - وقد مضت عليهم أزمان غير قصيرة - هل صاروا أحسن حالا مما كانوا عليه قبل التمسك بهذا الخبل الجديد ؟ هل استنقذوا أنفسهم من أنياب الفقر والفاقة ؟ هل نجوا بها من ورطات ما يلجئهم إليه الأجانب بتصرفاتهم ؟ هل أحكموا الحصون وسدوا الثغور ؟ هل نالوا بها من المنعة ما يدفع غارة الأعداء عليهم ؟ هل بلغوا من البصر بالعواقب والتصرف في الأفكار حدا يزحزح عزائم الطامعين عنهم ؟ هل وحدت فيهم قلوب مازجتها روح الحياة الوطنية التي تؤثر مصلحة البلاد على كل مصلحة وتسعى إليها وتطلبها ولو تجاوزت محيط الحياة الدنيا ولو بادت في سبيلها خلفها وارث على شاكلتها كما كان في كثير ممن عز من الأمم . نعم ، ربما وجد بينهم أفراد يتشدقون بألفاظ الحرية والوطنية والجنسية ! وما شاكلها ويصوغونها في عبارات متقطعة ، بتراء لا تعرف غايتها ولا تعلم بدايتها ووسموا أنفسهم ، زعماء الحرية أو بسمة أخرى من السمات ووقفوا عند هذا الحد . ومنهم آخرون عمدوا إلى العمل بما وصل إليهم من العلم فقبلوا أوضاع المباني والمساكن ، وبدلوا هيئات المآكل والملابس والفرش والآنية وسائر الماعون وتنافسوا في تطبيقها على أجود ما يكون منها في الممالك الأجنبية وعدوّها من مفاخرهم وعرضوها معرض المباهاة ، فنسفوا بذلك ثروتهم إلى غير بلادهم واعتاضوا