سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
261
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
على أنا لو فرضنا مسالمة الدهر ومنحت الأمة مدة من الزمن تكفي لبث تلك العلوم في بعض الأفراد والاستزادة منها شيئا فشيئا ، فهل يصح الحكم بأن هذا التدرج يفيدها فائدة جوهرية وأن ما يصيبه البعض منها يهيئة للكمال اللائق به ويمكنه من القيام بإرشاد الباقي من أبناء أمته . واعجبا ! كيف يكون هذا والأمة في بعد عن معرفة تلك العلوم الغريبة عنها لا تدري كيف بذرت بذورها وكيف نبتت واستوت على سوقها وأثمرت وأينعت وبأي ماء سقيت وبأية تربة غذيت ولا وقوف لها على الغاية التي قصدت منها في مناشئها ولاخبرة لها بما تيترتيب عليها من الثمرات وإن وصل إليها طرف من ذلك فإنما يكون ظاهرا من القول ، لا نباء عن الحقيقة . فهل مع هذا يصيب الظن بأن مفاجأة بعض الأفراد بتلك العلوم وسوقها إلى الأذهان المشحونة بغيرها يقوّم من أفكارهم ويعدِّل من أخلاقهم ويهديهم طرق الرشاد ويعمل في إفادة اخوانهم . لعل الأقرب أن ناقلي تلك العلوم وهم من أمة هذا شأنها ، مع ماينعكس إليهم من الأوهام المألوفة فيها وما رسخ في نفوسهم على عهد الصبا وما يعظمونه من أمر الأمة التي تلقوا عنها علومهم يكونون بين أمتهم كخلط غريب لا يزيد طبائعهم إلا فسادا . ماذا يكون من أولئك الناشئين في علوم لم تكن ينابيعها من صدورهم ولو صدقوا في خدمة أوطانهم ، يكون منهم قذف ما في خزائن خواطرهم يؤدون ما تعلموه كما سمعوه ، لا يراعون فيه النسبة بينه وبين مشارب الأمة وطباعها وما مرنت عليه ما عاداتها فيستعملونه على غير وضعه ولبعدهم عن أصله ولهو هم بحاضره عن ماضيه وغفلتهم عن آتيه ، يظنونه على شكل ما بلغهم هو الكمال لكل نفس والحياة لكل روح ، فيرومون من الصغير ما لا يرام إلا من الكبير - وبالعكس - غير ناظرين إلا إلى صور ما تعلّموه ولا مفكرين في استعداد من يعرض عليهم وهل يكون له من طباعهم مكان يحمد أو يزيدها خبالا وضعفا وما هذا إلا لكونهم ليسوا أرباب تلك العلوم وإنما هم حملة نقلة . فهؤلاء الناشئون ، إلا من وفقه اللَّه منهم بعنايته الإلهية ، يكون مثلهم كمثل والدة حنون ، يلذ لها غذاء فتفيض منه على طفلها وهو رضيع ليساهمها في اللذة وسنّه سن اللبان لا يقبل سواه فيسرع إليه المرض وينتهي به التلف فتكون منزلتهم من