سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
240
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
« كانت تطرق ديار القوم فيحقرون أمرها ويستهينون بهم وما كان يخطر ببال أحد أن هذه الشر ذمة القلية « العرب بعد الإسلام » تزعزع أركان تلك الدول العظيمة وتمحو أسماءهم من لوح المجد ، وما كان يختلج بصدر أن هذه العصابة الصغيرة تقهر تلك الأمم الكبيرة وتمكن في نفوسها عقائد دينها وتخضعها لأوامرها وعاداتها وشرائعها . لكن كان كل ذلك ونالت تلك الأمة المرحومة على ضعفها ما لم تنله أمة سواها . « نعم قوم صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه فوفَّاهم أجورهم مجدا في الدنيا وسعادة في الآخرة . هذه الأمة اليوم يبلغ عددها مائتين وثمانين مليوناً - على وجه التقريب - وأراضيها كما سبق بيانه آخذة من المحيط الأطلنطي إلى أحشاء بلاد الصين تربة طيبة ومنابت خصيبة وديار رحبة ، ومع ذلك نرى بلادها منهوبة وأموالها مسلوبة تتغلب الأجنب على شعوب هذه الأمة شعباً شعباً ، ويتقاسمون أراضيها قطعة بعد قطعة وممالكها مملكة بعد مملكة وولاية بعد أخرى ولم يبق لها كلمة تسمع ولا أمر يطاع حتى أن الباقيين من ملوكها يصبحون كل يوم في ملمَّة ويمسون في كربة مدلهمة ضاقت أوقاتهم عن سعة الكوارث التي تلم بهم وصار الخوف عليهم أعظم من الرجاء لهم . « هذه هي الأمة التي كانت الدول العظام يؤدون لها الجزية استبقاء لحياتهم وملوكها في هذه الأيام يرون بقاءهم في التزلف إلى تلك الدول الأجنبية يا للمصيبة ! ويا للرزيئة ! أليس هذا بخطب جلل ؟ أليس هذا ببلاء نزل ؟ ما سبب هذا الهبوط ، وما علة هذا الانحطاط ؟ والسقوط هل نسيء الظن بالوعود الإلهية ؟ « معاذ اللَّه » هل نستيئس من رحمة اللَّه ونظن أن قد كذب علينا ؟ « نعوذ باللَّه » هل نر تاب في وعده بنصرنا بعد أن أكده لنا ؟ « حاشاه سبحانه » لا كان شيء من ذلك ولن يكون فعلينا إذن أن ننظر إلى أنفسنا ولا لومنا إلا عليها . إن اللَّه سبحانه وتعالى بحكمته قد وضع لسير الأمم سننا متبعة ثم قال : « ولن تجد لسنّة اللَّه تبديلا » [ الأحزاب : 62 ] .