سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
241
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
« أرشدنا تعالى في محكم آياته إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها ولا بادت ومحي اسمها من لوح الموجود ، إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها اللَّه على أساس الحكمة البالغة . إن اللَّه لا يغير ما بقوم من عزة وسلطان ورفاهة وخفض عيش وأمن وراحة حتى يغير أولئك القوم ما بأنفسهم من نور العقل وصحة الفكر وإشراق البصيرة والاعتبار بأفعال اللَّه في الأمم السابقة والتدبر في أحوال الذين حادوا عن صراط اللَّه فهلكوا وحل بهم الدمار ، ثم الفناء لعدو لهم عن سنة العدل وخروجهم عن طريق البصيرة والحزم والحكمة ، وحادوا عن الاستقامة في العمل والصدق في القول والسلامة في الصدر والعفة عن الشهوات والحمية على الحق والقيام بنصره والتعاون على حمايته ، وتركوا الحق ولم يجمعوا هممهم على إعلاء كلمته ، واتّبعوا الأهواء الباطلة وانكبوا على الشهوات الفانية وأتوا عظائم المنكرات . خارت عزائمهم فشحوا ببذل مهجهم في حفظ السنن العادلة ، واختاروا الحياة في الباطل على الموت في نصرة الحق فأخذهم اللَّه بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين ! ! « هكذا جعل اللَّه بقاء الأمم ونماءها في التحلي بالفضائل التي أشرنا إليها وجعل هلاكها ودمارها في التخلي عنها . سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم ولا تتبدل بتبدل الأجيال كسنّته تعالى في الخلق والإيجاد وتقدير الأرزاق وتحديد الآجال ، علينا أن نرجع إلى قلوبنا ونمتحن مداركنا ونسبر أخلاقنا ونلاحظ مسالك سيرنا لنعلم هل نحن على سير الذين سبقونا بالإيمان ؟ هل نحن نقتفي أثر السلف الصالح ؟ هل غير اللَّه ما بنا قبل أن نغير ما بأنفسنا وخالف فينا حكمه وبدل في أمرنا سننه ، « حاشاه وتعالى عما يصفون » . بل صدقنا اللَّه وعده حتى إذا فشلنا وتنازعنا في الأمر وعصيناه من بعد ما أرى أسلافنا ما يحبون وأعجبتنا كثرتنا فلم تغن عنا شيئا فبدّل عزنا بالذل وسمونا بالانحطاط وغنانا بالفقر وسيادتنا بالعبودية . نرى الأجانب عنا يغتصبون ديارنا ويستنزلون أهلنا ويسفكون دماء الأبرياء من إخواننا ولا نرى في أحد منا حراكا . « هذا العدد الوافر والسواد الأعظم من هذه الملة وغيرهم من الشرقيين لايبذلون في الدفاع عن أوطانهم وأنفسهم شيئا من فضول أموالهم ، يستحبون الحياة الدنيا