سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
226
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
المذهبية حتى كان لهم زمن أحس فيه كل واحد بنسبته من الآخر بأنه « وطني مصري » وارتفعت بذلك أصواتهم بعد ما جالت فيه أفكارهم . « تفجرت من أرض مصر ينابيع الثروة وعمّت بقاعها وطفحت ففاض خيرها على ما يجاورها من الأقطار الشرقية ، بل وصل من نيلها إلى أراضي البلاد الغربية وتوارد إليها الغرباء وقصاد الكسب من كل مكان وما خاب لها قاصد ولا أخفق فيها سعى ساع فأثرى في مغانيها الفقراء وعز بها الأذلاء وصارت قبلة لآمال كثيرين من الغربيين ومحط رحال الراجين من الشرقيين وكل وافد إليها يجد أهلا خيراً من أهله ومسكنا خيراً من سكنه وتكاثرت فيها العناصر الغريبة حتى حاكت برج بابل يوم تبلبلت الألسن . وساد بها الأمن وعمت الراحة وضارعت في كل أحوالها نوع ما عليه الممالك الأوروبية العظيمة ، وكان المتأمل في سيرها هذا يحكم حكماً ربما لا يكون بعيداً من الواقع ، أن عاصمتها لابد أن تصير في وقت قريب أو بعيد كرسي مدينة لأعظم الممالك الشرقية بل كان ذلك أمراً مقرراً في أنفس جيرانها من سكان البلدان المتاخمة لها وهو أملهم الفرد كلما ألم خطب أو عرض خطر . « غير أن الأيام كأنها حسدتها على ما منحته ، فعثر العاقل وفرط المالك واغتر المعجب وتهور الغبي وضعف القوي فتقرب البعيد وألحمت إداراة الحكومة بما ليس من نسيج سداها وانتقضت منها أصول على وجه غير مألوف ففتحت للدسائس أبواب وأنساب بين طبقات الناس دهاة سياسة وطلاب غايات فتفرق اتصال وتقطعت أوصال فضعفت السلطة الوازعة ونبذت الطعة والتهبت نيران الفتن . « قضاء حل في تلك البلاد كانت أشأم نتائجه دخول الإنجليز إلى مصر لتأييد الخديوي وقمع « الثورة العرابية » والإشفاق على طريق « الهند » . احتلت مصر ورأت أن إعادة الأمن وتثبيت الراحة فيها من فرائض ذمتها ! فكان من التحريق والتدمير والقتل والشنق والحبس والإبعاد والتغريم وما شاكل ذلك مما يطول شرحه . وعم الهون والذعر كل من عرف اسمه في أهل البلاد ما خلا أشخاصاً قلائل ! دخل الإنجليز - ولم يمض إلا زمن قليل - حتى حكموا بطرد آلاف من الوطنيين الموظفين في دوائر الحكومة وما منهم أحد إلا ويتبعه عائلة وأولاد ولا قوت لهم إلا من مرتب عائلهم وما مرن على عمل للكسب سوى ما نشأ فيه من خدمة الحكومة .