سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
204
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
على ملاشاته الأدهار . ولم ينعكس أمرها على فاعليها ولا أتت بغير النتائج المنتظرة منها . خذ مثلا سلاطين آل عثمان - وما عاملوا به الأقوام عند فتح بلادهم ، وما تساهلوا به من الأمور بسوق الغرور بما لديهم من قوة وشدة وبأس واعتقدوه في حينه رحمة وعدلا ! ولم يكن في الحقيقة إلا من قبيل العدل العرضي والرحمة الغير مشفوعة بدعامة منقول أو دليل معقول . من ذلك أن الأجانب لما طرقت بلادهم توسل أولياؤهم للسلاطين العثمانيين بوسائل الخضوع والاستعطاف لكي يسمح للتراجم أن تحضر مع رعاياهم الأجانب الغرباء عن اللسان إلى مجالس الحكم ليترجموا أقوالهم . فسمحوا لهم بما طلبوا وكان ذلك السماح من السلاطين للأجانب وفي نظرهم أقل ما منحوه من المراحم في حينه . فلما مر زمن الغلبة والقهر والقوة والبأس من العثمانيين وظهرت علامات الضعف في الملك العثماني - كما سبق بيانه - انقلبت تلك المراحم وأشكال العدل العرضي المعطى للأجانب بشكل امتياز وتحكم في أهل البلاد ، وحكامهم واستطالت على العباد وانعكس الأمر تماما وأتى بعكس النتيجة المنتظرة . واستحالت تلك الرحمة نقمة وصار الوطني بها محكوما ذليلا والأجنبي في الوطن حاكما عزيزا لا يسأل عما يفعل ، والوطنيون يسألون . وما زالت تلك المرحمة يتوسع بها الأجنبي ويضيق بها على الوطني حتى أصبح دماء أهل البلاد « جبارا » تقريبا . فإذا قتل يوناني وطنيا مثلا ، أسرع القنصل لانتشال القاتل من يد القضاء وتلقّاه بالترحات من الباب ! حتى إذا كانت الجناية فظيعة في شكلها ، كان أعظم قصاص أن يرسل الجاني اليوناني معززا ، لأقرب الجزر يقضي بها أياما معدودات ثم يعود رافعا رأسه - بقبعته - متبخترا بمشيته ، معتزا بتابعيته ! « هذا ما فعلته الدولة العثمانية وأعطته إبّان عزها ومجدها للأجانب وحسبته رحمة وعدلا ولم يكن كذلك . ولو عمدت للعدل الحقيقي إذ ذاك وطرحت العزة الغرور جانبا وسهّلت أسباب المساواة بين العموم من رعية وأجانب تجاه العدل العام الإسلامي لما تورطت بإعطاء ذلك الامتياز البسيط للأجانب - الذي أصبح مركبا - وصار من أقوى عوامل المداخلة في أمور الدولة وأقرب الحجج تناولا لحفظ