سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
186
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
فظل النصارى في طاعة العثمانيين ، وظلوا في كل المعاني رعية لهم ما دامت تلك المؤهلات والصفات في الفريقين : القوة والعلم في الحاكم ! والضعف والجهل في المحكوم . حتى إذا انعكس الأمر وبان الجهل مصدر الضعف في الأمة الحاكمة وظهر العلم مصدر القوة في الأمم المحكومة ، نهضت للتخلص من ربقة الاستعباد لمن دونهم في العلم واستبسلت في الروجوع لحكم ذاتها بذاتها . وقد سهل عليهم كل صعب في هذا السبيل ، إقرار الدولة لهم على جامعاتهم الكبرى من دين ولسان وتاريخ تلك النعمة التي كانت وتكون على الدولة أكبر نقمة . ولا مناص لها من تحمل أعباء ذلك وهي سنة الوجود . لأن الأمم المحكومة إذا تيسر لها المحافظة على جامعاتها من دين ولسان وتاريخ ولم تستحل وتنحل في غير عنصرها فهي أرقب الناس للفرص وأعلق الخلق بإعادة مجدها وتجديد وإعادة سيرتها الأولى . ولن يثنيها أشد العوامل عن المطالبة بها وتزداد نشاطا وتستمد قوة معنوية كلما آنست من حاكمها المستهين بها استطالة بغير حق واستهضاماً لحقها بغير وجه مشروع وبقهر ليس له من الإنصاف نصيب وبقتل يحيي ميت العزائم . ثم قال : ومن ينظر إلى تاريخ الدولة العثمانية ونشأتها ، لا يتمالك نفسه من الإعجاب بنشاطها وكثرة ما فتحته من الممالك وأخضعت لسلطانها من الأمم ، ويأخذ به الاستغراب كل مأخذ من تفريطها وعدم جريها مع أحكام الزمن وحرمانها نفسها ومن دخل في حكمها من الأمم أن تجري وإياهم في ميدان الحضارة أو أن يبقى لها أثر من الآثار في تلك الممالك والأمصار . نشأت في الجليل السابع للهجرة أو آخر القرن الثالث عشر لميلاد بآسيا الصغرى ، فاستخلص السلطان عثمان الأول ما بيد السلجوقيين من الملك وهو القسم الشرقي ومشوا على ما بيد الروم من القسم الغربي . وقد حول العثمانيون أنظارهم وصرفوا قوتهم وهمتم إلى شبه جزيرة البلقان تلك البقعة الغربية في وضعها الجغرافي إذ وقعت في أقصى الجنوب الشرقي من