سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

173

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

ثم تفكر وقال : إن في خلق الإنسان وفي عقله من القوى الغريبة والأسرار العجيبة ما يدهش العقل ولقد أصاب الشيخ الأكبر بقوله : « أيحسب الإنسان أنه جرم صغير وفيه انطوى العالم الأكبر » [ 1 ] . نعم إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون ولسوف يستجلي بعقله ما غمض وخفي من أسرار الطبيعة وسوف يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته فيرى ما كان من التصورات مستحيلا ، قد صار ممكنا ، وماصوَّره جموده وتوقف عقله عنده بأنه « خيالًا » قد أصبح « حقيقة » ! « لبث الإنسان يقلب طرفه في الفضاء وطبقات الهواء ، يتجادل عقله مع النسور والعقبان محلقة ويهبّ لمجاراتها واللحاق بها ثم يقعده الجمود ويريه ذلك مستحيلا فيرجع إلى الوراء . والعقل وهو معتقل بذلك الجمود يحاول فك قيده ليسير إلى الأمام . وهكذا كان موقف عقل الإنسان مع الحيتان وأسماك البحار يناجي نفسه ويقول : إن عندي من القوى وفهم الأسرار ما ليس في الحيتان والعقبان فلمَ لا أفعل فعلهما ، وأجري جريهما ؟ وعندي إذا ظفر العقل في هذا العراك والجدال وتغلب إقدامه على الأوهام واستطاع فك قيوده ومشى مطلق السراح ، لا يلبث طويلا إلا ونراه قد طار بأسرع من العقبان ، وغاص في البحار يسابق الحيتان وسخر البرق بلا سلك لحمل أخباره وتحادث عن بعد أشهر مع غيره ، كأنه عن قاب قوسين أو أدنى . وهل يبقى مستحيلا إيجاد مطية توصله للقمر أو الأجرام الأخرى وما يدرينا بعد ذلك ما يأتيه الإنسان في مستقبل الزمان ، إذا هو ثابر على هذا السير لكشف السر بعد السر من مجموع أسرار الطبيعة التي ما وجدت إلا للإنسان ، وما وجد الإنسان إلا لها » [ 2 ]

--> [ 1 ] - والأصل ، أتزعم أنك جرم صغير وفيك أنطوى العالم الأكبر . [ 2 ] - وقد تم اليوم أكثر ما قاله جمال الدين كان العلماء إذ ذاك يحاولون ويجربون في أوروبا تسخير الفضاء للطيارات والبحار للغواصات والعالم كلّه ، بالفضائيات !