سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

140

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

واستخرجوا إحصاء من سجلاتهم بما عندهم من المعدات الحربية ، أعلنوا للمكة وأنبئوها ، أنه في إمكانهم محاربة سليمان بما توفر لديهم من القوة ، إذا هي واقفت على إعلان الحب : « قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأمْرُ إلِيْكِ فَانْظُرِي مَاذا تُأمُرِينَ » [ النمل : 33 ] . فقالت ما معناه : « إن للحرب ويلات فلا ينبغي أن نتسرع بإعلانها بل نحاول درأها بما أمكن من التدابير والوسائل السلمية والتودد واللين إلى غير ذلك ، عسى أن نتخلص ونخلص البلاد من رزايا دخول الملوك بعساكرهم وما يحدثه ذلك - « قَالَتْ إنَّ الْمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ » [ النمل : 34 ] و : « وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ » [ النمل : 35 ] وكأنها أسرت في نفسها قائلة : إذا قبلوا الهدية ، علمت أن مطمع سليمان بالمال ! وليس للإيمان بالله وتوحيده . فرد سليمان الهدية وتحفز لإخراج الملكة وقومها أذلة بالحرب وأراد أن يريها ما لديه من القوى وما تسخر له من رياح يمتطيها وتجري بأمره ( طيارات مثلا ) وسرعة نقل الأخبار والأشياء بأسرع من البرق ( التلغراف اللاسلكي ) مثلا . « ووجدنا في ذلك القصص أن بتلك الواسطة التي توفرت لسليمان وبها نقل عرش « بلقيس » من « سبأ » إلى « القدس » قبل أن يرتد إليه طرفه جاءت صريحة بالعمل مبهمة عن الآلة العاملة - إذ لم يكن بالإمكان للقرآن أن يصرح بشكلها أو باسمها ، لبعد ذلك عن الأذهان في ذلك الحين . « وكذلك لو جاءنا القرآن بنقل الأخبار بالفضاء وشرح لنا ما فهمناه اليوم لما صدقنا ذلك لو لم نرَ ( باللاسلكي ) . وهكذا العلم لا يعجز عن إحداث ما نظنه اليوم مستحيلا وإبرازه مرئيا - فالبشر في الهيكل الترابي قد تحدد له ما يستطيع عمله به وإنما في قوة روحه وبحبوحة عقله ، لا ندري إلى أين يصل وأي المستحيلات اليوم لا يمكنه أن يجعلها ممكنة ، فنراها بسيطة بعد أن كنا نعظم تخيلها . وفي قصة الهدهد إشارة دقيقة جدا وهي عندما أراد سليمان استحضار عرش « بلقيس » استعرض ما عنده من وسائط النقل السريعة وأربابها واستبرزهم ما عندهم من ذلك : « قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ » [ النمل : 39 ] .