سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
111
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
وأخذت تتوالى الوفود من المابين على منزل جمال الدين بنغمات مختلفة - منها لوم بشكل توبيخ مع عتب - ومنها إسناد خيانة بما عمله ! ومنها أن تحالفه هذا مع الخديوي يعد نقضا لبيعته للسلطان . . . والغرابة أنه كلما كان يقال في هذا الشأن ، يذكر بصورة ثبوت صحة الخبر عند السلطان وأنه لا ريب في حصوله - وأنها وقعت الواقعة ليس لوقعتها دافعة ! - وجمال الدين في كل تلك الأوقات ، كان رابط الجأش ، أكثر مما رأيناه في سائر الأحوال - يضحك ولا يجاوب حتى يؤدي الرسول بلاغة - ولا يزيد على القول له : « هل لك ما تقول غير هذا ؟ فإن قال لا - ترجم له بالتركية ما قاله هارون الرشيد : « هنيئا لمن ما عرفناه ، لأن من عرفناه وقربناه أطرنا نومه وأطلنا يومه » . ويقول له : « أطار نومكم وأطال يومكم » ! ويزودهم بعبارة : « إنني سأتحادث إن شاء الله مع السلطان بأمر هذه المختلقات » . وبينما خلق المابين وكبار المقربين والجواسيس في هرج ومرج وأخبار غضب السلطان على جمال الدين ، تلوكه الألسنة بأشكال غريبة وصورة عجيبة - صدرت الإرادة بحضور جمال الدين للقصر السلطاني للمثول . والسلطان عبد الحميد كما أنه من أقدر ملوك زمانه سياسة ، على ما مر بيانه ، وأحدهم ذهنا وأوفرهم ذكاء ودهاء فهو ألينهم عريكة وأكثرهم تواضعا وأقدرهم على خلب لب المخاطب ، باللطف والمجاملة وكظم الغيظ فهو ولا شك لو صرف كل مواهبه لخير المملكة - وطرح الجبن جانبا - لفاق سائر ملوك عصره ولأوصل الملك الأعلى ذرى المجد . فلما اجتمع بل أقبل جلالته عليه بأكثر من العادة وهش له وبش وأدناه وحادثه طويلا بأمور كثيرة - لا تخرج عن كونها تئول لذلاته إذ كل مهم في الملك لا يكون بالنتيجة عائد لحفظ حياته وتقديس إرادته ! - فليس هو من الأهمية في شيء . حتى إذا انتهى الحديث من كل ما أراده السلطان ظاهرا وأوهم أنه سيبارح المكان قال : هيه ! اجتمعت مع حضرة الخديوي في الكاغد خانة ؟